دور العقل في فهم الدين

الاستاذ قاسم الجوادي
*استاديار و عضو هيئت علمی جامعة المصطفی العالمية، مجتمع آموزش عالی امام خمينیv، قم.

التعريب: السيد محمد جعفر النوري

العقل

ان حجة الانسان الاولی هي الفکر الذي اکرمه الله بعائدته، فهو علی ضوئه وبميزانه يستخبر حقائق الکلام الذي يسمعه، ويحاکمه باصوله، فيقبل منه ما استصوبه حکمه، ويرفض ما خف وزنه في معياره، وهذه الحجة الذاتية واصبة الحضور والتأثير في الانسان کقطب الرحی بلا انقطاع، ولا تحيد عن دورها المرکزي فيه وهو دور الزمام قيد انملة، واذا غابت عنه في مرحلة من مراحل حياته، او لم يعطها حقها من الاهتمام والتعويل تعرضت انسانيته للخسران بحجم ذلك الغياب او عدم الاکتراث.

انها هي السر الکامن وراء تفضيل الانسان علی سائر الموجودات، وبها تکون حجة فوق کل الحجج، وهو بدونها في دوامة اللاتکليف سواء علی صعيد الشرائع السماوية او الانظمة الوضعية کهباءة سابحة في الفضاء بلا قرار. وان انضواء الانسان تحت لواء التوحيد والرسالة والقرآن لا يکون الا بالزامات تلك الحجة وبراهينها.

و يأتي بعد دور هذه الحجة الاساسية دور الحجج الاخری التي تلازم هذا المخلوق العاقل المستخلف المکرم بالمسؤولية ما کر عليه الجديدان، يفيد منها رشده وسداده، ويغنم بها خيره وصلاحه، ويقع في راسها حسب وجهة نظر الاسلام ـ القرآن الکريم‌ ـ الذي وصفه النبي الاکرم بالثقل الاکبر، وهو احد الثقلين المتلازمين اللذين لا ينفك احدهما عن الاخر حتی يردا عليه صلی الله عليه وآله يوم القيامة، وهو اضافة الی کونه الاصل المتين المصون، فهو منارة الطريق في زحمة التعارض والتضاد، ومن هنا اطلق الهداة الميامين اوامرهم الرشيده لنا بان لا نقبل ما خالف القرآن، وافهمونا سلام الله عليهم انهم لم يقولوا قط ما يعارض القرآن، وبينوا لنا اننا ملزمون بان ناخذ عنهم ما وافق الکتاب المجيد. هذه وغيرها کلها دليل باهر علی حجية القرآن القاطعة التي لا مراء فيها، وکونها سيدة الحجج والاسس الفکرية التي تم الالزام الاکيد بان يعتمدها الانسان المسلم في مساره الرسالي، ويستمسك بعروتها الوثقی في مضلات الفتن ومتاهات الشبهات ما اعتقبت العصور والازمان، ما دام هو اي القرآن لم ينزل لزمان دون زمان، بل لکل المديات المذخورة لعمر البشرية منذ نزوله الی قيام الساعة، ويبقی فيها حيا، طرياً، نابضا بالحلاوة والطلاوة، مفعما بالحياة المتجددة والعطاء المتواصل، ومن هنا يلزمنا بذل الجهود الحثيثة بلا کلل او ملل للوصول الی اقصی درجات الفهم السليم للقرآن، ومن خلال کل السبل والمنافذ الصحيحة التي تعيننا علی ادراك المفاهيم القرآنية السامية، والفوز بنيل حقائق الوحي التي اراد لها منزلها ان تکون رائد الهدی، وطريق السداد، ومعراج المسيرة الانسانية الی کمالها في السبحات الغامرة لوحي الله الخالد.

من الطبيعي جدا في هذا الصدد التأکيد علی عدم صواب الغفلة عن دور الحضور القلبي، وتاثير الشواهد الوجدانية في فهم المراد القرآني التي يقع الفکر في طليعة الاسباب الواصلة بفيوضها، وکم من فهم قرآني هو في ارقی درجات الاستکناه لخطاب السماء ـ کان مصدره الفؤاد الذي اتخذ من معين الطهارة الباطنية، وتزکية النفس، وسيلته المثلی الی ضالته المنشودة وهي الورود علی ساحل الحقيقة القرآنية. علی ان هذه الاهمية البالغة للمعرفة القلبية لا يمکنها ابدا ان تکون ملزمة لما سوی من حباه الله بها، ولا يحق له ان يسوق الاخرين الی التزام ما التزمه من الفهم القرآني بدواعيها والطافها، لان الانسان مجبول علی ان لا يصدق الا ما استوعبه عقله، ووثق به فکره، ومن هنا تکون منطقية تلك المعادلة التي تقول ان درجة القبول للافکار منوطة بمستوی فهمها واستيعابها، وعلی هذا لا يصح من الانسان ان يرد کلاما بلا دليل مقنع، ولا ان يقبل کلاما بلا سلطان بين من البرهان، وهو کما يقع تحت طائلة المساءلة والمؤاخذة عند اعراضه عن قول بلا حجة منطقية، يکون معرّضا لتلك المساءلة والمواخذة عند قبوله ذلك القول بغير الظهير المکين من الدليل المتين، ولهذه الاهمية المتميزة لدور الفکر في المسيرة الانسانية رکز القرآن الکريم علی ضرورة التزام الانسان منحی العقل والمنطق في تدبر الحقائق وتشخيص المعالم، اليس هو القائل:( انا انزلناه قرآنا عربيا لعلکم تعقلون) (يوسف 2) والقائل: (انا جعلناه قرآنا عربيا لعلکم تعقلون). (الزخرف 2).

ان الله سبحانه قد حبا هذا الانسان بمکرمة النهی ليفهم بها کل شي حتی القرآن، وتأسيساً علی هذا لا معنی لان يتم ربط الفهم القرآني بحقبة زمينة معينة دون اخری، ليکون اطلاق فهم عصر معين او فرد محدد من غير المعصومين حجة علی الاخرين ما دام لا يمتلك دليلاً قاطعاً، ولا برهانا ساطعاً، ولذلك جعل الله سبحانه هلاك الناس ونجاتهم معصوبين بالدليل والبرهان: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة ) وقد الزمهم ان لا يتحدثوا ويطرحوا وجهات نظرهم بلا حجة واضحة: (قل هاتوا برهانکم ان کنتم صادقين).

وان مما يجب التوجه اليه ما دمنا بصدد قضية الهلاك والنجاة ببينة البرهان کما تؤکد الاية الشريفة هو انه اذا کان القرآن الکريم يعتبرهما تابعين للدليل، وهو يستقبح بشدة اطاعة السادات والکبراء، ويستهجن هذا العمل الشنيع، فان مؤدی ذلك انه لا يجوز التوجس من نقد اي کلام يصدر من الاکابر، ولا يصح قبول کل کلامهم علی عواهنه وان کان عاريا عن الدليل الرصين. ان الکلام لا يکون متينا الا حين يکون وثيقا، ولا يکون الکلام حکيما الا حين يکون موسوماً بالاستحکام، وليس الفرد هو الذي يهب الکلام وسام الشأنية، وانما الکلام هو الذي يزين الفرد بشارته وبهائه، واذا اراد الانسان ان يأمن الهلاك فما عليه الا ان يرکن الی قبول کلمة الحق السديدة، وان ينأی بنفسه عن ضدها ومن هنا نفهم ان کلام الحق والحکمة ممکن الوجدان في کل مکان، وهو ضالة المؤمن علی طول المدی، فاينما وجده اخذه ولو من لسان المنافق.

ان صميم ما تم ذکره فيما سلف يتجلی في ان العقل هو حجة الانسان التي تفضي به حتی الی قبول اصل الاصول وهو التوحيد، وان هناك حجج اخری قد وضعت في متناول استنارته واستهدائه، اهمها القرآن الکريم  الذي يستدعي ادراك عطائه التسديدي بذل منتهی الجد في فهمه والاحاطة بمراده، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان ملاك الحقانية ليس في الکلام التليد، وان ملاك البطلان ليس من نصيب الکلام الطارف.

و لو کانت الجدة علامة البطلان لما کان للتوراة او الانجيل والزبور او القرآن مجال لان تکون مضان لطف الله في هداية عباده، فلا ريب في ان کلا هو جديد زمانه، وان الغابرين لم يفکروا بدلا عنا، ولم يؤدوا وظائفنا العقلية، وانما نحن المسؤولين عن فکرنا ونشاطنا، نفکر بآليات فکرنا، ونعمل علی اساس ذلك الفکر لصلاح واقعنا، ولکن هذا لا يعنی اننا يجب ان ننسی او نتغافل ارث الاقدمين، وان عدم نسيانه لا يعني قبوله علی کل حال ولو خلا من ميزة البرهان، وعلی هذا تکون وظيفتنا ان نباشر عملية التفکير والتحقيق لانفسنا، ونبذل وسعنا في فهم الحقيقة القرآنية، وثقافة اسلافنا الميامين حولها بوسيلة البصيرة والاستدلال والتدبر المنير.

نوشتن دیدگاه


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

منارة التابعين سعيد بن جُبير بن هاشم الاسدي الوالبي الكوفي نزل مكة تابعي، وكان...
التقية في تفسير الفخر الرازيمحمّد علي نصيف جاسم  الاسديالمحتوياتالمقدمة 1منهجنا...
التغيير الاجتماعي رؤية وتطبيقها التجلّيات القرآنيّة في حركة الإمام الحسين (عليه...
  چشم انداز تغییرات اجتماعی و تطبيق آنها اصطلاحات و تجليات قرآنی در نهضت امام حسین...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون...
  الملخص الصابئة من الأديان الشرق اوسطية القديمة، والحيّة التي يعتقد أصحابها...
القصة بين القران و الكتاب المقدس     الخلاصة وقع تشابه بين قصص القران...
أوجه الشبه بين الثورتين، ثورة الامام الحسين (ع) وثورة الشهيد الصدر...
  المقدمة تمرّ الأمة الإسلامية بمرحلة صعبة حيث يسعى خصوم الإسلام إلى إيجاد فتنة...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون إلى...
  في هذا الزمان الذي انقلبت فيه المثل والقيم نری ونسمع من بعض الجهلة ان (الدين...