القصة بين القران و الكتاب المقدس

 

 577573137b2dc1

الخلاصة

وقع تشابه بين قصص القران والقصص التي نقلتها الكتب الاخرى، سيما التوراة ممّا أدى ببعض المستشرقين القول انّ القران اقتبس قصصه وتشريعاته من الكتب السابقة، بالخصوص التوراة التي جاؤا منها بشواهد لإثبات ذلك.

التشابه بينهما غير منكور، لكننا نعزوه الى وحدة المصدر التي استقى منه القران و التوراة ، وقلنا انّ القران أقرب للواقع باعتباره كُتب في حياة النبي بينما التوراة كتبوها بعد وفاة موسى عليه السلام بسنين، كما ان التفاصيل المذكورة في القران لا يمكن أن يطّلع عليها أحد إلاّ لأن يكون قد عايش تلك الأحداث، ولم يكن النبي قد عاش مع أهل الكهف أو مع موسى أو عيسى عليهم السلام، إذاً نبي الاسلام متّصل بالسماء.

ونقلنا أنموذجين هما قصة يوسف باعتبارها مفصّلة، وقصة أصحاب الكهف التي وقع فيها لغط بين نفس اليهود الذين لم يذكروها في توراتهم رغم علمهم بتفاصيلها. ثم خرجنا بنتيجة مفادها؛ عدم اقتباس القران من أي مصدر آخر، وانّ القران موحى من عنده سبحانه.

 

المصطلحات المهمة

القران، التوراة والإنجيل، التشابه، الاختلاف، القصص، المستشرقون.


المقدمة

لابد أن يكون هناك تشابه بين الأديان السماوية، وهذا من المسلّمات لأن مصدرها واحد وهو السماء، بعبارة أصرح، الله مصدر كل هذه الأديان التي وصلت إلينا.

ما سرّ التشابه بين القران وبين الكتب السماوية الاخرى؟ هل انه اقتباس ممّا سبقه من الأديان؟ أم انه دين سماوي مستقل حاله حال بقية الأديان؟

عندما يعدّون الاسلام ضمن الأديان السماوية ترى البعض يتلوى في الكلام، كأنه يريد أن يقول بأن الاسلام دين دخيل على الأديان السماوية وعيال عليها لأنه استقى معلوماته من الكتب التي سبَقَتْه، صحيح هناك قرآن وآيات وسور وتشريعات وقصص، لكنها مُقتَبَسة من الغير.

ربما يعود هذا التوجّس من القران كي لا تصل النوبة الى الإعتراف بوحيانيّة الدين الإسلامي وبالتالي أحقيّته، لما فيه من امتيازات لا تتوفر في بقية الأديان، أبرزها انّ الوحي القراني كان يُكتب بعد نزوله بلحظات وليس كبقية الكتب المقدسّة التي كُتبت بعد سنين عددا()، كما في التوراة()؛ (يقول نولدكه في كتابه (اللغات السامية): "جُمعت التوراة بعد موسى بتسعمائة سنة، واستغرق تأليفها وجمعها زمناً متطاولاً تعرضت حياله للزيادة والنقص، وإنه من العسير أن نجد كلمة متكاملة في التوراة ممّا جاء به موسى").

مسلّمات النقاش

قبل البدء في نقاش المخالفين في سر التشابه بين القران وغيره من الكتب السماوية، يجب أن تكون هناك مرتكزات يتّفق عليها الطرفان في النقاش كي تكون حَكَماً بينهما ويعودوا إليها وتكون مُلزِمَةً للطرفين.

فمن الثابت والمسلّم انّ القوم يعترفون ويقرّون ان هناك كتاباً اسمه القران وفيه مجموعة من السور والآيات يحفظه الكثير من المسلمين على ظهر قلب، ومن المسلّم أيضا انّ هناك تشابه بينه وبين الكتب المقدّسة الأخرى، وإلاّ لما اتّهمونا بالاقتباس من غيرنا، ومن المسلّم أيضاً وجود اختلاف بينه وبين تلك الكتب المقدسة التي وقع فيها التشابه.

 وهذا القران الموجود بين أيدي الناس هو نفسه الذي كان يوحنّا الدمشقي وأضرابه يحاجّون الناس فيه، وهو نفسه الذي احتجّ به المستشرقون السابقون و المعاصرون.

هذه الأمور مسلّمة بيننا وبين من يقول باقتباس القران، أو من يقول بأن القرآن من صنع محمد@، أو هو تأثّر ببيئته، أو مَن قال بأن القرآن مأخوذ من الشعر الجاهلي الذي سبقه وغيرها.

و من المسلّم أيضا، هناك كتاب مقدّس عند اليهود اسمه التوراة - بغضّ النظر عن كونها الأسفار الأربعة فقط أم تشتمل على بقية الأسفار-  موجود بين أيدينا، نحاججهم بما موجود فيه من مقاطع و وقائع وقصص.

ونتّفق معهم انّ هناك ايضاً ما يسمى بالعهد الجديد، يحتوي على أربعة أناجيل إنجيل متى و مرقس ولوقا ويوحنا، ويحتوي على أعمال الرسل و الرسائل والمكاشفات. نحاججهم به ويحاجّوننا بما في قرآننا.

إذاً اتّفقنا على النقاط التي هي مورد التقاء بين الطرفين أو قل المسلّمات بينهما، وان هناك تشابه و اختلاف فيما بينها، وانها مسلّمة الوجود و لايمكن الانكفاء عنها لأنها حقائق خارجية.

 فلنناقش التشابه القصصي بين القران والكتب المقدسة الأخرى، التي يدّعون اقتباسها من كتبهم حسب المسلّمات التي تسالمنا عليها، ثمّ نعرّج على سرّ الاختلاف أيضا إن شاء الله.

 الإقتباس من الكتاب المقدس

قبل الخوض في تفاصيل المواضيع التي يدّعون ان القران اقتبسها من الكتاب المقدس، نسأل: ما معنى الكتاب المقدس؟

(عبارة الكتاب المقدس اصلها يوناني - بيبليا Biblia – بمعنى (الكتب) جاءت بمعنى الجمع، ثم تحوّلت الى معنى مفرد عندما أرادت الكنيسة أن تطرح الكتاب المقدس وتعتبره الكتاب الرسمي، على شكل مجموعة من الكتب ضمن كتاب واحد، سمّوها (بَايْ بِل) أو بيبليا... فالكتاب المقدس في الحقيقة مجموعة متنوعة من كتابات تاريخية، أدبية حقوقية، أخلاقية)

(.. لكن المسيحيين العرب أضافوا صفة (المقدس) فصاروا يقرأونها (الكتاب المقدس)، لذا فاللغات الواقعة تحت تأثير اللغة العربية مثل الفارسية و الاوردية و الماليّة و... تطلق على الكتاب بالمقدس تبعا لما اطلقه المسيحيون العرب)().

إطلاله على الكتاب المقدس

ينقسم الكتاب المقدس الى قسمين العهد القديم و العهد الجديد؛ (يضم العهد القديم تسعة وثلاثين كتاباً:

1-                سفرالتكوين ويسمى سفر الخليقة أيضاً.

2-                سفر الخروج.

3-                سفر الأحبار ويسمى: سفر اللاوين أيضاً.

4-                سفر العدد.

5-                سفر التثنية ويسمى: سفر الاستثناء أيضاً.

ومجموع هذه الكتب الخمسة يسمى بالتوراة، وهو لفظ عبراني بمعنى التعليم والشريعة، وقد يطلق اسم التوراة على مجموع كتب العهد القديم كلّها مجازاً)().

اما العهد الجديد (لفظ الانجيل مختصّ بكتب هؤلاء الأربعة، وقد يُطلق مجازا على مجموع كتب العهد الجديد، وهذا اللفظ معرّب، كان في الأصل اليوناني: (انكليون) بمعنى البشارة والتعليم)()، وتسمى هذه الأناجيل العهد الجديد تمييزا لها عن العهد القديم.

زعم بعض المستشرقين أن القران اقتبس القصص والتشريعات و الوقائع من هذه الكتب، وسوف ندرج بعض هذه الاقتباسات المزعومة ونضعها على طاولة البحث الهاديء الخالي من التعصب و السبّ والشتم والتقليل من شأن الدين الآخر، بل سوف يكون كلامنا و ردّنا على هذه المزاعم بالحجّة، حسب الأمور التي اتفقنا وتسالمنا عليها سابقا.

مسألة التشابه

أكثر ما يناور به المستشرقون مسألة التشابه في القصص بين الكتاب المقدس وبين القران، فاتّخذوها حجة في اتّهام القرآن بأنه عيال على التوراة لأنه اقتبس القصص نفسها وكتبها باسلوبه الخاص، فهذا (ريتشارد بيل Richard Bell مؤلف كتاب (مقدمة القرآن) ان النبي قد اعتمد في كتابته للقرآن على الكتاب المقدس، وخاصّة على العهد القديم في قسم القصص. فبعض قصص العقاب كقصص عاد وثمود مستمدّة من مصادر عربية، ولكن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية. وقد كانت فرصته في المدينة للتعرّف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة حيث كان على اتّصال بالجاليات اليهودية في المدينة، وعن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل)().

لماذا تغافل ريتشارد بيل عن مسألة اليهود في المدينة ودسائسهم ونقضهم العهود بين النبي وبينهم؟ فإذا كانوا ممّن أعان النبي في القصص القرآنية كما تقول، فلماذا لم يصرّوا على فضحه بين أهل يثرب انه استعان بهم؟ و هل  تتّفق مساعدة اليهود للنبي @ مع قتل مرحب وفتح حصون خيبر؟ وما معنى فدك التي أثارت ضجّة بين الصحابة؟ و.. و.. وكثيرٌ من حالات التقاطع بين اليهود وبين الرسول@.

المستشرقون و التشابه

بلاشير Blachere ؛ مستشرق فرنسی يتحدث في كتابه (معضلة محمد) عن مصدر القصص القرآني، ذاكراً بالخصوص ان ما لفت انتباه المستشرقين هو التشابه الحاصل بين هذه القصص، وبين القصص اليهودي المسيحي، وقد كان التأثير المسيحي واضحاً في السور المكية الأولى، إذ كثيراً ما تكشف مقارنة بالنصوص غير الرسمية كإنجيل الطفولة الذي كان سائداً في ذلك العهد عن شبه قوي..().

انجيل الطفولة يتكلم حول طفولة المسيح بشكل مفصل تقريباً، بينما نجد القران أشار الى طفولة النبي  الاكرم@ في سورة الضحى }أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8){، ولم يذكر في غير هذا الموضع عن طفولة الرسول الاعظم@.

هنري لامنس H. Lammens: يقول بأن محمداً عندما بلغ الثلاثين من عمره مرّ بأزمة دينية خانقة التجأ بسببها الى الوحدة و العزلة والتأمل، تَلَتْها مرحلة الأحلام والرؤيا المضطربة، متقزّزاً من مادية قريش ومشمئزاً من عبادتها للأوثان. فاعتنق الوحدانية وآمن بالبعث والحساب. ووجد نفسه متّفقا في هذه المعتقدات مع اليهود و النصارى. واعتقد انه مادام ليس هناك إلاّ إله واحد فليس هناك إلاّ وحي واحد. على العرب أن لا يبقوا خارج هذا الإطار. فاعتقد انه مدعو لنشر هذه الحقائق بين أبناء جلدته وبلُغَتٍهم أيضاً..().

وضمن ما كان يدعو له ويقوم بنشره _حسب ما يدّعون_ هو القصص التي جاءت في كتبهم المقدسة. فأخذ لامنس Lammens يُنظّر لله سبحانه، ويقول مادام هناك إله واحد فمعنى ذلك ان هناك وحيٌ واحد لا يخرج عن إطار الكتاب المقدس فقط وفقط. هذا ما وصل اليه لامنس بالنسبة للرسول الأكرم @، ونسي أو تناسى بأن الذي أوحى الى موسى عليه السلام وبقيّة الأنبياء الذين ذُكروا في التوراة، يمكنه أن يوحي الى رجل من الجزيرة العربية آمن بالتوحيد حسب ما يقول لامنسLammens واعتَقَدَ بالبعث والحساب فوجده الله مهيّأ للنبوّة فبعثه نبياً، وهذا الرجل هو محمد بن عبد الله@.

ثمّ إنّ لامنس Lammens وقع في التناقض من خلال الأسطر الستة التي ذكرها. لماذا عندما وصل الثلاثين من عمره مرّ بأزمة خانقة، وهل كان قبلها سويّ الدين، لا يعاني من أزمة؟ ماهو الدين أو المذهب الذي اعتنقه خلال ثلاثين عاماً من عمره؟ لماذا اشمئزّ من قريش ومن مادّياتها؟ والسؤال المهم لماذا اعتنق واعتقد بالوحدانية لله، وكيف آمن بالبعث والحساب؟

إذا قلتم اتّصل باليهود والنصارى، قلنا لكم أنّكم قلتم التزم العزلة، فمتى تواصل مع اليهود؟ وإذا قلتم نزل عليه الوحي الذي نزل على موسى وعيسى، قلنا لكم: صحيح انه نزل الوحي عليه ولكن جاءه بدين جديد، ذي تشريعات وأحكام واعتقادات تختلف عن ما جاءت به التوارة أو الأناجيل، بل هناك قصص لم تذكرها التوراة وذكرها القران، مثل قصة هود وصالح. فكلام المستشرق لامنس Lammens يخلو من الموضوعية في الطرح.

مصاديق تَشابُه القصص

أوضح المصاديق التي تبدو متشابهة، قصة يوسف$ في التوراة وقصته في القران، فهل انها مقتبسة فعلاً من هذه التوراة التي بين أيدينا أم لا؟()

لماذا اخترنا قصة النبي يوسف$؟ قمنا باختيارها لأن القران فصّل فيها تفصيلا غير معهود، بينما نجد القران في بقية قصص الأنبياء يشير إلى وقائعها بشكل مقتضب. 

أمّا دَيدَن التوراة في نقل القصص التوراتية سوف تجد تفصيلا واضحاً في كل ما تعرّض له من قصص. اذاً فالقران والتوراة متّفقان في التفصيل في قصة النبي يوسف $. وإليك مقارنة بين ما قالت به التوراة وبين القصص القراني:

التوراة: وَكَانَ يُوسُفُ حَسَنَ الصُّورَةِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ.7 وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ امْرَأَةَ سَيِّدِهِ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى يُوسُفَ وَقَالَتِ: «اضْطَجعْ مَعِي». 8 فَأَبَى وَقَالَ لامْرَأَةِ سَيِّدِهِ: «هُوَذَا سَيِّدِي لاَ يَعْرِفُ مَعِي مَا فِي الْبَيْتِ، وَكُلُّ مَا لَهُ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى يَدِي. 9لَيْسَ هُوَ فِي هذَا الْبَيْتِ أَعْظَمَ مِنِّي. وَلَمْ يُمْسِكْ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَكِ، لأَنَّكِ امْرَأَتُهُ. فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟». 10وَكَانَ إِذْ كَلَّمَتْ يُوسُفَ يَوْمًا فَيَوْمًا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ لَهَا أَنْ يَضْطَجعَ بِجَانِبِهَا لِيَكُونَ مَعَهَا.

القران: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ...

التوراة: ثُمَّ حَدَثَ نَحْوَ هذَا الْوَقْتِ أَنَّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ لِيَعْمَلَ عَمَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ هُنَاكَ فِي الْبَيْتِ. 12فَأَمْسَكَتْهُ بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: «اضْطَجعْ مَعِي!». فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. 13

القران:  وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ... (24)

التوراة: وَكَانَ لَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ، 14أَنَّهَا نَادَتْ أَهْلَ بَيْتِهَا، وَكَلَّمَتهُمْ قَائِلةً: «انْظُرُوا! قَدْ جَاءَ إِلَيْنَا بِرَجُل عِبْرَانِيٍّ لِيُدَاعِبَنَا! دَخَلَ إِلَيَّ لِيَضْطَجعَ مَعِي، فَصَرَخْتُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. 15وَكَانَ لَمَّا سَمِعَ أَنِّي رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ، أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ».

القران: وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

التوراة : فَوَضَعَتْ ثَوْبَهُ بِجَانِبِهَا حَتَّى جَاءَ سَيِّدُهُ إِلَى بَيْتِهِ. 17فَكَلَّمَتْهُ بِمِثْلِ هذَا الْكَلاَمِ قَائِلَةً: «دَخَلَ إِلَيَّ الْعَبْدُ الْعِبْرَانِيُّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ إِلَيْنَا لِيُدَاعِبَنِي. 18وَكَانَ لَمَّا رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ، أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ».

القران: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)

التوراة : فَكَانَ لَمَّا سَمِعَ سَيِّدُهُ كَلاَمَ امْرَأَتِهِ الَّذِي كَلَّمَتْهُ بِهِ قَائِلَةً: «بِحَسَبِ هذَا الْكَلاَمِ صَنَعَ بِي عَبْدُكَ»، أَنَّ غَضَبَهُ حَمِيَ. 20فَأَخَذَ يُوسُفَ سَيِّدُهُ وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ السِّجْنِ، الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ أَسْرَى الْمَلِكِ مَحْبُوسِينَ فِيهِ. وَكَانَ هُنَاكَ فِي بَيْتِ السِّجْنِ.

التفصيل الآتي غير مذكور في التوراة... القران: قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28

التوراة: وَلكِنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَ يُوسُفَ، وَبَسَطَ إِلَيْهِ لُطْفًا، وَجَعَلَ نِعْمَةً لَهُ فِي عَيْنَيْ رَئِيسِ بَيْتِ السِّجْنِ. 22فَدَفَعَ رَئِيسُ بَيْتِ السِّجْنِ إِلَى يَدِ يُوسُفَ جَمِيعَ الأَسْرَى الَّذِينَ فِي بَيْتِ السِّجْنِ. وَكُلُّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ هُنَاكَ كَانَ هُوَ الْعَامِلَ. 23وَلَمْ يَكُنْ رَئِيسُ بَيْتِ السِّجْنِ يَنْظُرُ شَيْئًا الْبَتَّةَ مِمَّا فِي يَدِهِ، لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَهُ، وَمَهْمَا صَنَعَ كَانَ الرَّبُّ يُنْجِحُهُ.()

القران: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35

لاريب و لا شك ان هناك تشابه بين النصَّين، وهذا التشابه كبير، ولكن يوجد عدم توافق بينهما أيضاً، فالتشابه بين القران والتوراة يدلّنا على وحدة المصدر، فإن كان أحدهما مصدره السماء فالثاني حتماً أخذ من نفس المصدر.

 وإذا استشكلتَ وقلتَ انّ الثاني الجديد –القران- قد أخذ واقتبس من القديم-التوراة- الذي سبقه ولم يكن مأخوذا من السماء، قلتُ؛ إذاً ماسرّ الاختلاف في الأمور العقائدية المهمّة التي جاءت في القصة؟ فالثاني لو أراد الاقتباس من الأول لاقتبس كل القصة لأنها جاهزة ومثيرة وجميلة، لماذا اقتبس بعضها وغيّر البعض الآخر؟ وهل يمكنه أن يغيّر في حدث تأريخي معروف؟ لكن الذي حدث أن القران قد أضاف لمسات على القصة تتناغم مع فطرة الانسان ولم يترك الاسئلة حائرة من دون جواب.

فروق يترتب عليها أثر عقائدي

التوراة تقول ان المرأة طلبت بل راودت يوسف أكثر من مرّة، ويوسف يرفض طلبها وهذا تلويث لساحة الأنبياء #، وإلاّ كيف يستمر يوسف بالدخول عليها رغم طلبها المراودة أكثر من مرّة؟ إلاّ أن يكون راضٍ أو على أقل تقدير مستمتع بهذا الجمال وهذا الطلب حتى لو لم يفعل شيئاً.

أمّا القران فقد أشار أنّ المراودة حدثت مرّة واحدة، فالمكان مهيّأ وغلّقت الأبواب، بعد ذلك قالت له هَيتَ لك، أريد منك أن تضطجع معي، قال معاذ الله انّه ربي أحسن مثواي، فقدّم الخوف من الله على التفكير بخيانة سيّده رغم ان الخيانة عظيمة أيضاً. بينما التوراة لم تُشٍرْ أصلاً الى مسألة تغليق الأبواب وتهيئة الأجواء التي تثير غريزة يوسف$.

الفرق الآخر هو الاستباق نحو الباب، فهو يركض والمرأة تجري خلفه فجَذَبَت قميصَه من الخلف فتمزّق (من دُبُر) بتعبير القران، فصار دليلاً على صدق كلامه فيما بعد. بينما رواية التوراة تقول انه خَلَعَ قميصه أو بالأحرى أخلَعَتْهُ قميصَه، فعندما امسكَت المرأة بقميصه وطلبت منه الاضطجاع معها ترك قميصه بيدها وهرب، عجباً كيف يخلع قميصه بهذه السهولة؟ فهل مجرد أن تَمَسّكَت بثوبه قرّر خلع الثوب، أم انّها قوية جداً بحيث أن يوسف $ لم يستطع الإفلات من يدها؟ ألم يستطع أن يسحب قميصه بقوّة من يدها وهو العبد العبراني القوي بينما هي امرأة مُترفَة لا عهد لها بالقوّة والمقاومة؟ من ناحية أخرى عندما تَرَك قميصَه الى جانبها كيف سار في القصر من دون ثوب؟

المسألة الاخرى انّ التوراة أشارت بأنّ سيّده غير موجود عندما هرب من المرأة، وعندما رجع زوجها اشتكت له الحالة وقالت العبد العبري قد داعَبَني.. فلم يدافع عن نفسه ويدفع التّهمة عنه لأنه لم يكن موجوداً آنذاك, بينما القران الكريم قال أنّ يوسف التقى سيّده عند الباب ودافع عن نفسه وقال هي راودتني عن نفسي.

أمّا مسألة الشاهد الذي نطَقَ دفاعاً عن يوسف$ فلم تتطرق إليه التوراة ولم تشٍر إليه إطلاقاً، بينما القران الكريم قال بالتفصيل حول هذه القضية؛ إن كان قميصُه قُدّ من قُبُلٍ فهي صادقة في قولها أمّا إذا قدّ من دُبُرٍ فهو من الصادقين، فلما شاهد الزوج انّ القميص قد تمزّق من الخلف عرف أنّ الجاني هو زوجته، لكنّه مع ذلك أودعَهُ السجن ليعمّي الفضيحة التي ارتكبَتْها زوجته.

هناك مسألة مهمّة أخرى لم تتطرق إليها التوراة لا من قريب ولا من بعيد، وهي مسألة النساء اللاتي حَضَرنَ عند المرأة في حفل قد أعدّته من قبل، وقالت ليوسف اخرج عليهن فقطّعن أيديهن ولم يشعرن بأن الدماء قد سالت إثْرَ الدهشة من مشاهدة البهاء الذي تجلبب به يوسف$ فقد صوّر القرآن تلك اللحظات بصورة عجيبة وفنية، ولم تعبّر التوراة عن هذه الصورة العجيبة التي صوّرها القران.

صاحب (اعلام القران) يقول؛ (لم تذكر التوراة مسألة محاكمة يوسف وزوجة العزيز، ولم تذكر لوم النساء لزوجة العزيز فوطيفار ..)

كل هذه الدقّة في النقل من قبَل القران، لم تُواجَه بالنقد أو الاستهزاء من بقيّة الاديان، بل اكتفوا بالقول بأنه نُقل واقتُبس من كتبهم.

نتيجة نقل القصّة في الكتابَين

ماذا بعد كل ذلك التفصيل والنقل والمقارنة بين الكتابَين؟ نريد التوصّل الى حقيقة تقول انّ التوافق بين الكتابَين في قصّة يوسف $ لا يؤدّي الى اقتباس القرآن من التوراة، لماذا؟ لأن القران الكريم قد جاء بتفاصيل دقيقة لم تذكرها التوراة، علاوة على أن تلك التفاصيل لا يمكن أن يطّلع عليها أحد إلاّ أن يكون موجوداً في قصر فرعون ومواكباً للأحداث ومتفرّغا لمتابعتها ساعة بساعة. فكيف استطاع القرآن أن ينقل كل تلك التفاصيل وبتلك الدقّة إذا لم يكن مصدره الوحي؟

إذاً التشابه في القصص لا يمكن أن يكون دليلاً على إمكانيّة اقتباس القرآن الكريم من التوراة، فرغم أن القصص التوراتيـّة معروفة في نقل التفاصيل الكثيرة في كل القصص التي روَتها، لكنّها عجزت أن تساير القرآن في قصة يوسف$، لأن القران نَقَلَ التفاصيل بدقّة وأمانة فصارت الأحداث واضحة جليّة أمام أعين الباحثين، بينما لا نشاهد ذلك الوضوح وتلك الشفافيّة في القصص المنقولة في التوراة.

أصحاب الكهف

من القصص التي لم تُذكر في تاريخ القصّة اليهودي قصّة أصحاب الكهف، رغم ان اليهود كانوا على علم بالقصة لكنهم لم يروّجوا لها بشيء، فقد ذَكَرَ علي بن ابرهيم أحد أعلام القرن الثالث الهجري، ان قريشاً أرسلوا ثلاث نفر الى نجران كي يتعلّموا منهم أسئلة يحرجون بها رسول الله @ ليُبطلوا ما جاء به محمد@ من دين جديد، فقد سألوا النبي @ مسائل عديدة يعتقدون انّها محرجة، ومن ضمنها سؤال عن فتية كانوا في الزمن الأول خرجوا  فغابوا فناموا، ويقصدون أصحاب الكهف() – نحن نكتفي هنا بموضع الشاهد من الأسئلة التي سألوها للنبي @-.

وفعلاً رجع القوم من نجران وطرحوا على النبي الأكرم @ عدّة مسائل، فكان جوابه على أولئك الفتية أنْ قصّ عليهم القصة في 18 آية من سورة الكهف() التي سمّيت بإسمهم، فصدّقت قريش كلامه لأن أهالي نجران قالوا لهم: إنْ أجابكم عنها فهو نبي فعلا وإلاّ فإنه كاذب مفترٍ.

إذاً، فاليهود كانوا على علمٍ بقصّة أصحاب الكهف، فلماذا لم يذكروها في كتبهم المقدسة؟ 

يقول المجدوب ان سبب عدم ذكرهم القصة يعود الى (سبب واحد، وهو ان الفتية الذين قال عنهم يهود المدينة: إنهم "ذهبوا في الدهر الاول" (أي أصحاب الكهف) كانوا من اليهود الذين آمنوا بالمسيح عيسى بن مريم بشراً رسولاً، وهو الذي بشّرت به التوراة على لسان أنبياء بني إسرائيل المتعاقبين، ومهّد لظهوره النبي يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان))().

نتيجة قصة أصحاب الكهف؛ انّ النبي@ أجابهم، وكانت إجابته لهم مصَدَّقَة سَلَفاً من اليهود الذين يعرفون التطابق في قصة أصحاب الكهف التي تكلّم بها النبي @ مع ما عندهم من معلومات حول أولئك النفر.

 فالتّشابُه موجود وهذا التشابه أدّى الى اعتراف اليهود ضمناً بوحيانية القران، لأنهم قالوا إنْ أجابَكم فهو على حق. وإلاّ كيف يطّلع رجل عاش في جزيرة العرب على كل هذه المعلومات؟

الاختلافات الجوهرية بين القصص القراني وقصص التوراة:

بعد أن أوردنا مدى التشابه بين قصص القران وقصص الكتاب المقدس، نريد الإشارة الى مدى الاختلاف بينهما:

1-                   في قصة آدم، التوراة لم تشر الى مسألة سجود الملائكة لآدم وامتناع الشيطان من ذلك.() وكذلك الشيطان جعل آدم يأكل من الشجرة، بينما في التوراة الحية أغرت المرأة فأكلا منها.()

2-                   بالنسبة الى قصة ابراهيم $، انّه حطّم الأصنام، محاولة إلقاءه بالنار، إسكانه بعض ذريته في واد غير ذي زرع، بناءه الكعبة. كل هذه الأمور لم تذكرها التوراة وذكَرَت بقية الأمور المشابهة لما ذكره القرآن.

3-                   المحاورة التي دارت بين النبي نوح $ وبين ولده وعدم إطاعته لأبيه، والمحاورة بين الله سبحانه وبين نوح لم تذكرها التوراة، وذكَرَها القران.

4-                   قصة فرعون مع السَحَرة الذين قالوا له أيَكونُ لنا أجراً إذا تغلبّنا على موسى؟ وكيفية سجودهم وايمانهم بموسى $ لم تتطرق إليها التوراة.

5-                   التوراة لم تُشٍر الى ان فرعون قال انا ربّكم الأعلى، بل نقلت ان موسى هو الإله وهارون نبيّه، إليك الاصحاح السابع من سفر الخروج (1فَقَالَ الرَّبُّ لمُوسَى: «انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لفرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ. 2أَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ، وَهَارُونُ أَخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ ليُطْلقَ بَنِي إِسْرَائيلَ مِنْ أَرْضٍهٍ. 3وَلكنِّي أُقَسِّي قَلْبَ فرْعَوْنَ وَأُكَثِّرُ آيَاتي وَعَجَائبِي في أَرْضِ مصْرَ. 4وَلاَ يَسْمَعُ لَكُمَا فرْعَوْنُ حَتَّى أَجْعَلَ يَدِي عَلَى مِصْرَ، فَأُخْرِجَ أَجْنَادِي، شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ منْ أَرْضِ مصْرَ بِأَحْكَامٍ عَظِيمَةٍ. 5فَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَمَا أَمُدُّ يَدي عَلَى مصْرَ وَأُخْرِجُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِهِمْ». 6فَفَعَلَ مُوسَى وَهَارُونُ كَمَا أَمَرَهُمَا الرَّبُّ. هكَذَا فَعَلاَ. 7وَكَانَ مُوسَى ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَهَارُونُ ابْنَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً حِينَ كَلَّمَا فٍرْعَوْنَ).

6-                   القران يقول بأن العٍجْل صَنَعَه السامري، أمّا التوراة تتّهم هارون أخو موسى $ بصنعه. (فضرب الرب الشعب لانهم صنعوا العجل الذي صنعه هرون)(). أما القران الكريم فيقول: ( فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).  

7-                   (فَأَوْقدْ لي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلعُ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ منَ الْكَاذبِينَ)() فذكر القران أمْر فرعون ببناء صرح لعلّه يصل الى إله موسى ويطّلع عليه، ورشّح هامان للقيام بهذه المهمّة. كل ذلك غير مذكور في التوراة.

8-                   قصّة البقرة وذبحها ومواصفاتها غير مذكورة في التوراة بينما ذكرها القران بشيء من الدقّة. ربّما يشكل علينا أحد ويقول: هناك مواصفات مذكورة للبقرة في سٍفر العدد، ماذا تقولون؟ الجواب: تلك المواصفات ذُكرت لأمرِ آخر غير الذي قال به القران(). يقول محمد خزائلي ان القصة المذكورة في سفر التثنية باب 21، ليس لها ارتباط مع قصة البقرة، كذلك السيد احمد خان يميل الى عدم الارتباط بين القصتين، يقول أحدهما يرجع الى ذبح بقرة آبيس، أما القصة الأخرى فتعود الى كشف القاتل، فلا ارتباط بينهما

9-                   (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حٍطَّةٌ نَغْفرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسنِينَ)()، لم تذكر التوراة شيئاً حول هذه المسألة، وكيف ان الله سبحانه علّم بني اسرائيل كيفية التوبة الى الله وماذا يقولون، لكنّهم لم يلتزموا بما أمرهم به سبحانه فبدّلوا قولاً غير الذي أمرهم الله به.

10-               (لَقَدْ عَلمْتُمُ الَّذينَ اعْتَدَوْا منْكُمْ في السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خَاسئينَ)() قصة أصحاب السبت ومسخهم قردة بعد أن أعتدوا في السبت غير مذكورة في التوراة.

11-               قصة الملكة بلقيس والهُدهُد ونقل عرشها قبل أن يرتدّ طرف النبي سليمان $، كلها لم تُذكر في التوراة.

هذه الامور والدقائق التي ذكرها القران لم تكن لهواً وتَرَفاً قصَصَياً، بل هي أمور يمكن أن يترتّب عليها أثر في عقائد أتباع الأنبياء، كنزاهة يوسف وتحويل عصا موسى وايمان السحرة أمام فرعون ونقل عرش بلقيس وغيرها، كلها أمور من صميم الدّين والواقع الذي عاشه الأنبياء مع رعيّتهم. وإلاّ فالقرآن ليس كتاب تسلية نستمتع في قصصه كما في الأساطير التي تَروي لنا بطولات الأنبياء ومغامراتهم، فالانبياء أجلّ من ذلك.

 

الكل ينقل من مصدر الواقعة

من أجل إثبات وحدة المصدر الذي ينقل منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين، نضرب مثلاً؛ البابا عندما مات في الفاتيكان نقل خبر موته المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والزردشتي والعربي والانجليزي و الفرنسي والألماني و..، فهل يمكن أن نقول أنّ العربي نقل عن المسيحي لأن البابا مسيحي؟ أو انّ البوذي التايلندي نقل من المسيحي التايلندي، لأن البابا مسحي؟  أم أنّ الواقعة فعلاً وقعت ونَقَلَها الكثير باعتبارهم شاهدوها أمام أعينهم؟ الجواب ان الكل شاهدها فنَقَلَها من خلال الزاوية التي شاهد الواقعة من خلالها.

ربما يُقال؛ إنّ الحادثة واحدة لكن النقل يختلف من واحد لآخر، ماذا تقولون؟ إذا اختلف نقل نفس الواقعة، هذا يرجع الى حذاقة ومهارة الناقل، فمنهم من ينقل الأمور بدقّة متناهية، ومنهم من ينقل تفاصيل لا أهمية لها، ومنهم من ينقل الواقعة باختصار. كذلك القصص الواقعية التي ينقلها القران تجد فيها زيادة، أو نقل لتفاصيل أكثر لم ينقلها الطرف الثاني، فيقع هناك تقارب في النقل من حيث التشابه و الاختلاف. فالتشابه يدل على صدق جريان الواقعة في الخارج، أمّا نقل التفاصيل الأخرى يدل على أن المصدر الذي نقل منه أحد الأطراف هو نفسه الذي نقل منه الطرف الآخر بتفاصيل أكثر.

إذاً توصّلنا الى وقوع اختلاف في النقل عند الطرفين؛ فربّما تستشكل هنا وتقول مادامت الاطراف متعدّدة، ربّما نقل القران القصص من دين سابق أو إنسان خبير بالقصص التاريخية السابقة؟ نقول إن التفاصيل الدقيقة التي نَقَلَها القرآن تدل على انه وحي من السماء، لأن دقّة التفاصيل والتأكيد على المسائل الاعتقادية دليل على وحيانيتها، فالقران نَقَل قصص وقعت في الزمن الغابر لم ينقلها غيره من الكتب السابقة، إمّا جهلاً بها أو أخفوها حَنَقاً على الاسلام كما في قصة أصحاب الكهف التي لم ينقلها اليهود رغم معرفتهم بها كما مرّ علينا، وعلى كلا الحالَين فالقران اطّلع عليها من غير طريقهم، وإلاّ لتشرّف غير القران بنقلها.

إشكال محتمل

ربّما يقال انّ النبي @ درس هذه الأديان وتعرّف على كل هذه التفاصيل من خلال مطالعاته. الجواب انّ مسألة دراسة الأديان السابقة في ذلك الوقت لا تتأتّى إلاّ من خلال وسائل متطورة وحديثة، أو من خلال الجامعات العريقة التي لها اهتمام خاص بالتاريخ و الاديان، ولم يكن في زمن النبي الاكرم@ تلك الوسائل ولاتلك الدراسات، وهذا دليل آخر يشير انّ القصص المنقولة حتماً للسماء يدٌ فيها، وإلاّ من أين أتى النبي@ بكل تلك المسائل المتنوّعة و المفصّلة.

كما أنّه لا سبيل لإيقاظ الأموات الذين واكَبُوا الأحداث كي ينقلوا للنبي الأكرم@ تلك الأحداث، ولم يكن النبي@ معروفاً عنه انه ساحر أوكاهن فيَصٍل الى تلك القصص بالسحر والكهانة، بل هو الصادق الأمين كما لقّبه أهل مكّة.

إذاً لم يبقَ إلاّ طريق واحد في الاطّلاع على كل تلك المعلومات الواسعة والدقيقة والحقيقية، هو طريق الوحي، الذي استقى منه كل تلك المعلومات و التشريعات و القصص التي أتته عن طريق السماء.

فالقران عندما ينقل القصّة ينقلها باعتبار حقيقة وقوعها في  الزمن الماضي، وربّما قام بنقل تفاصيلها مثلما نقَلَتْها التوراة وغيرها، بل يُشَذبّها ويزيد في تفاصيلها المهمّة التي لم تنقلها الكتب الاخرى، وعند التدقيق و التمحيص للأحداث المنقولة قرآنيا نشاهدها أكثر انسجاما مع الحدث، وهذا ما نقله المستشرق الفرنسي الطبيب موريس بوكاي Bucaille في كتابه التوراة والانجيل والقرآن عندما قارَنَ بين الكتب المقدّسة، قال: (وهكذا يتقرر لدينا ان حقائق القران العلمية كما شرحناها في محلّها سابقاً، تدل جميعها على ان نصوص القرآن نصوص لا دخل ليد البشر فيها، وأنها وحي لا شك فيه)(). هذا الكلام قاله عندما توصّل الى الحقائق القرآنية المذهلة التي حَيـَّرَتْهُ، فلم يجد بدّاً إلاّ أن يؤمن بوحيانية القرآن. وإلاّ من أين يأتي محمد@ بهذه المعلومات السابقة لعصره بآلاف السنين؟

نتيجة البحث

1-                أن هناك تشابه لا يمكن نكرانه بين القران والتوراة، لكن هذا التشابه يرجع الى وقائع حَدَثَت في التاريخ فعلاً، لا من صُنع الخيال ونَسْج الأوهام.

2-                الحوادث والوقائع يمكن أن ينقلها اليهودي أو النصراني أو المسلم أو البوذي، بل يمكن أن يكون الناقل كاتباً لا يؤمن بالله ولا بالكتب السماوية، لكن العبرة في دقّة النقل وانسجامه مع الواقع.

3-                   لا يمكن أن نحصر مسألة رواية قصّة وقعت أمام أعين الناس أنها اقتباس من ناقل تلك الرواية، وخصوصا إذاكان هناك تفاصيل لا يمكن الإطّلاع عليها إلاّ أن يكون هناك أمرٌ خارق للعادة، وليس ذلك إلاّ الوحي.

4-                القران موحى من عند الله وليس مُقْتَبَسا من غيره.


المصادر

القران الكريم

الكتاب المقدس

1- بدوي، عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين – بيروت، ط3، تموز 1993م.

2- بوكاي، موريس، التوراة والانجيل والقران، ترجمة نخبة من الدعاة. دار الكندي، بيروت- لبنان، ط2، 1978م.

3-     خزائلي، محمد، اعلام قران، انتشارات امير كبير، طهران، ط 8، 1389ش . ص625.

4-      الخزرجي، ابوعبيدة، بين الاسلام المسيحية، حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور محمد شامة. مكتبة وهبة، القاهرة، ط4،  2007م.

5-     ربيع، يحيى محمد علي، الكتب المقدسة بين الصحة و التحريف، دار الوفاء للطباعة والنشر، مصر، ط1، 1994م.

6-      زقزوق، محمود حمدي، الإستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2008م.

7-     السقار، منقذ بن محمود، هل العهد القديم كلمة الله؟ دار الاسلام للنشر والتوزيع- السعودية، ط1، 1426هـ.

8-     العاملي، محمد علي برّو، الكتاب المقدس في الميزان، الدار الاسلامية للطباعة و النشر، بيروت- لبنان، 1993م.

9-     القمي، علي بن ابراهيم، تفسير القمي، تعليق الجزائري السيد الطيب. دار السرور، بيروت لبنان، ط1، 1991م.

10-                        الكرباسي، حسن، مطالعات في الكتب المقدسة (التوراة و الامبريالية)، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997م.

11-                        المجدوب، احمد علي، اهل الكهف في التوراة والانجيل والقران.  الدار المصرية اللبنانية، ط3، 1998م.

12-                        مجموعة من العلماء، التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، شركة ماستر ميديا، القاهرة، ط4، 2002م.

13-                        مراد، يحيى، معجم اسماء المستشرقين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط1، 2004م.

14-                         ميشيل، توماس، كلام مسيحي، مترجم حسين توفيقي.  مركز تحقيقات اديان ومذاهب- قم، ط1، 1377ش.

15-                         نقرة، التهامي، القران والمستشرقون مقالة كتبها في كتاب (مناهج المستشرقين ج1)، المنظمة العربية للثقافة و العلوم، تونس، 1985م.

16-                        همو، عبدالمجيد، مصادر التوراة، دار غار حراء دمشق سوريا، 1999م

17-                         الهندي، رحمة الله بن خليل، اظهار الحق، تحقيق الدكتور محمد احمد ملكاوي.  الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء الدعوة والارشاد، الرياض، ط1، 1989م.

18-                        يوسف، محمد حسني، الصفحة السوداء للكتاب المقدس، دار الكتاب العربي، مصر القاهرة، ط1، 2006م.

نوشتن دیدگاه


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

منارة التابعين سعيد بن جُبير بن هاشم الاسدي الوالبي الكوفي نزل مكة تابعي، وكان...
التقية في تفسير الفخر الرازيمحمّد علي نصيف جاسم  الاسديالمحتوياتالمقدمة 1منهجنا...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون...
التغيير الاجتماعي رؤية وتطبيقها التجلّيات القرآنيّة في حركة الإمام الحسين (عليه...
أوجه الشبه بين الثورتين، ثورة الامام الحسين (ع) وثورة الشهيد الصدر...
  چشم انداز تغییرات اجتماعی و تطبيق آنها اصطلاحات و تجليات قرآنی در نهضت امام حسین...
  المقدمة تمرّ الأمة الإسلامية بمرحلة صعبة حيث يسعى خصوم الإسلام إلى إيجاد فتنة...
  الملخص الصابئة من الأديان الشرق اوسطية القديمة، والحيّة التي يعتقد أصحابها...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون إلى...
  في هذا الزمان الذي انقلبت فيه المثل والقيم نری ونسمع من بعض الجهلة ان (الدين...