التقية في تفسير الفخر الرازي

محمّد علي نصيف جاسم  الاسدي
المحتويات
المقدمة 1
منهجنا في العمل: 3
التقية في الغة 4
التقية في الإصطلاح: 7

تعريف الشيعة للتقية: 7

تعاريف أهل السنّة للتقية: 7
الفصل الأول. 9
الأدلة القرآنية للتقية 9
الآية الأولى: 10
مفاهيم الآية: 13
أسلوب التقية ودوره في الحركة الإسلامية: 13
التقية وحدود الله: 14
علوّ المؤمن وسفل الكافر 14
الآية الثانية: 16
شأن نزول الآية: 17
الآية الثالثة: 21
نظرة خاطفة إلى القصّة: 22
مؤمن آل فرعون. 23
التحذير من العاقبة 24
إيحاءات القصة: 28
الفصل الثاني. 29
التقية، شرائطها وأحكامها 29
أنواع العلاقة القائمة بين المؤمن والكافر: 30
الحالة الإستثنائية: 32
أحكام التقية 33
في اي ظرف تکون التقية؟ 33
الافصاح بالايمان افضل! 35
الافعال التي لا يجوز ارتکابها تقيةً: 36
تجوز تقية المومن بين الکفار الغالبين! 37
هل تجوز التقية لصون المال: 37
جواز التقية الی يوم القيامة: 38
الفصل الثالث.. 39
التقية والإكراه 39
ماهية الإكراه وموقف المكرَه 40
مراتب الإكراه 43
هل يترتب الحكم على كلام المكره؟ 45
الإيمان في القلب والتقية باللسان. 45
الملحقات.. 47
الملحق الأول. 48
الملحق الأول. 48
المُلحق الثاني. 49
الملحق الثالث.. 50
خلاصة البحث: 52
المصادر 54

 المقدمة
الف: إن نشر المفاهيم الإسلامية ومحاولة تصحيح النظر إلى بعضها يتطلّب معرفة تلك المفاهيم وموقف الإسلام منها ووضعها في مكانها الصحيح بعد تشخيص موقعها من الفكر الديني وعمق تاريخها فيه وعلاقتها بديمومة ذلك الفكر وصلاحيتها للإمتداد في كل آن وزمان وقابليتها على استيعاب ما يفرزه الحياة من مشاكل ومستجدّات لوضع الحلول الشافية لها.

وإذا ما ثبت أنها من الدّين، فلا شك أنه سيكون التعرض لها بحاجة إلى إجادة الدفاع عن كرامة الدين الحنيف والذّب عن حماه من خلال التعريف المتين بمفاهيمه الرّاقية التي جائت لخدمة الإنسان وبناء مجتمع حرّ كريم، مع رصد سائر القنوات التي تصبّ فيها دسائس المغرضين وشبهات المغفلين لقلع جذورها بالحجج الدّامغة: لكي لا تكون وسيلة لضلالة من لم يع وجه الحق فيها.

ولعل من بين تلك المفاهيم التي نطق بها القرآن الكريم والسّنة المطهرة هو مفهوم التقية الذي لم ينحصر في الواقع بدين الإسلام؛ بل عرفته الأديان السماوية كلّها، وطبقته سائر المجتمعات البشرية منذ أقدم العصور وإلى يومنا هذا إذ تلتجئ إلى التقية الحكومات والشعوب لإنسجامه (التقية) التام مع مقتضى العقول وفطرة الإنسان في الحفاظ على كيانه، بل مع فطرة الحيوان أيضاً كما هو المشاهد في سعي جميع الحيوانات نحو البقاء وهروبها من أسباب الفناء.

فالتقية لم تكن قاعدة فقهية، أو مبدأ اسلامياً صرفاً فحسب، وإنما هي كذلك قاعدة عقلية جلبت عليها العقول السليمة، فحكمت بضرورة تجنّب الضرر شخصياً كان أو نوعياً، وما جاء في القرآن الكريم والسنّة الثابتة بشأن التقية إنما هو إمضاء لها لأنها من شرع ما قبلنا كما نفهم من تقية أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون.

وبما أن تاريخ التقية ضارب بجذوره في أعماق الأديان قبل الإسلام، كما حكاه لنا القرآن الكريم في أكثر من آية، سيكون الصاقها بمذهب معين كما يحب إشاعته البعض من الجهلة بحقيقة ذلك المفهوم والتخبّط الأعمى في تحديد تعريفه.

ومن هنا أصبح الدفاع عن التقية ليس دفاعاً عن مذهب، ولا دفاعاً عن تشريع اسلامي، وإنما هو دفاع عن موقف الإسلام في تبنّيه وامضائه وتأييده لهذا المفهوم، بل هو في الواقع دفاع عن الفطرة والعقل السليم.

ب: لقد حاول علمائنا الكرام بتقريب هذه الفكرة إذ قاموا بتأليف الكتب والرسالات حول الموضوع وهنا نذكر من باب المثال شيئاً مختصراً من هذه التأليفات:

-                   جمعت أحاديث التقية في أبواب خاصة في الكتب الأربعة.

-                   رسالة في التقية، علي بن عبد العالي الكركي (المحقق الكركي) م930 ق.

-                   رسالة في التقية، شيخ مرتضى الأنصاري، م1281 ق.

-                   رسالة في التقية، آقا ضياء الدين العراقي، م1361 ق.

ومما كتب في عصرنا الحاضر حول هذا الموضوع.

-                   التقية بين الأعلام، سيد عادل العلوي.

-                   التقية في نظر الشيخ المفيد، سيد محمد باقر الحكيم.

-                   التقية في الفكر الإسلامي الشيعي، فتحية مصطفى عطوي.

-                   التقية عند أهل البيت عليهم السلام، مصطفى قصير العاملي.

ج: من جانب آخر موضوع التقية موضوع واسع والبحث حوله يتطلب دراسة شاملة من كل الجهات كالبحث حول أدلة التقية في القرآن الكريم، البحث عن التقية في السنة الشريفة، البحث عن حدود التقية في الفقه الإسلامي، البحث عن سلبيات وإيجابيات الموضوع في المجتمع، بحث عن التقية في الأديان والمذاهب المختلفة إلى ... .

أما ما أردنا أن نبحث عنه هو التقية في التفاسير الفريقين (السنة والشيعة) وما هي الآيات التي تدل على هذا الموضوع وما هو رأي المفسرين حول تلك الآيات الشريفة.

سائلين المولى عز وجلّ أن يسدد خطانا لخدمة دينه الحنيف، ويمنحنا القوة على مواصلة العطاء الفكري النافع، إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


منهجنا في العمل:

التقية عنوان عام ويمكن دراسته من جوانبٍ شتّى. أما ما نحن بصدده هو معرفة الأدلة القرآنية للتقية من خلال النظر في أهم التفاسير الإسلامية. من جهة آخر لا يخفى على أيّ ذي خبرة في علم التفسير أنه لا يمكن إحصاء كل ما جاء في التفاسير مع غض النظر عن عدد التفاسير الموجودة بين أيدينا والتي لم تصل إلينا أو التي لا يمكن الحصول عليها إلا بشقّ الأنفس. فكان علينا لزاماً تحديد دائرة عملنا بما يناسب هذا المقام والإبتعاد عن التفصيل الممل والإيجاز المخلّ لحق الموضوع.

حيث قمنا باختيار التفسير الكبير بوصفه النصّ الأصلي لهذا البحث لا لسبب خاص إلاّ أنه كان يجب إختيار تفسير كي يكون مركزاً للبحث والنظر ونعلم أنّ هذا التفسير تفسير عظيم الشأن وذو مكانة عند المفسرين الإسلاميين عامةً قديماً وحديثا، وأخذنا بتحليل آرائه حول الأدلة القرآنية للتقية وجئنا بما يوافقه وما يخالفه من آراء المفسرين من كلا الفريقين وسعينا أن نعطي صورةً عامة عمّا ذكره جمهور المفسرين الإسلاميين بشأن تلك الآيات، فكان بالأحرى أن يسمى البحث بعنوان (التقية في تفسير الفخر الرازي).

عندما نقلنا آراء المفسر (الفخر الرازي) كي نضعها تحت مجهر التحليل العلمي وجدنا هناك قضايا لا ترتبط بموضوعنا ارتباطاً وثيقاً كأنواع القراءات المذكورة أو أشكال الإعراب المختلفة أو الأبحاث اللغوية و... فحذفنا تلك المباحث لأجل التوقي من الإطالة في الكلام وهذا الأمر ظاهر في بحثنا بوضوح.

جعلنا في الختام باباً تحت عنوان الملحقات وذكرنا فيه الآيات التي تدل على التقية بصورة غير مباشرة وذكرنا بعض آراء المفسرين باختصار؛ إذ يمكن تقسيم الآيات التي تدل على التقية بمجموعتين: الأولى: ما تدل على التقية مباشرةً وبالدلالة المطابقية وهذه المجموعة هي التي تشكل الفصول الأصلية للبحث؛ والثانية: هي الآيات الثانوية التي تدل على التقية بالدلالة التضمنية فجعلناها في باب الملحقات.

 


التقية في الغة

التقية في اللغة، والبحث عن معانيها اللّغوية واستعمالاتها في القرآن الكريم؛ التقية في اللّغة:

قال إبن منظور في مادة (وقي):

 (وقاه الله ووقاية: صانه. قال أبو مَعقِل الهُذلي:

فعادَ عليكِ إنّ لكنّ حظّاً        وواقية كواقية الكلابِ

وفي الحديث: فوقى أحدُكم وجههُ النّار، وقَيتُ الشيءَ إذا صُنتَهُ وسترتَهُ عن الأذى. وهذا اللفظ خبرٌ أريد به الأمر أي: ليقِ أحدُكم وجههُ النّار بالطاعة والصّدَقة. وقوله في حديث معاذ: وتَوَقَّ كرائمَ أموالِهم أي تجنبّها ولا تأخذها في الصّدَقة لأنّها تكرُمُ على أصحابها وتعزّ. وتوقّى وإتّقى بمعنى. ومنه الحديث: تبقّه وتوقّه أي إستَبِق نفسكَ ولا تعرِضها للتّلف وتحرّز من الآفات واتّقها. وقولُ مُهلهل:

ضَرَبت صدرها إليَّ وقالت:      يا عديّاً لقد وقََتكَ الأواقي

ووقاهُ صانه، ووقاه ما يكرَه ووقّاه: حماهُ منه والتَّخفيف أعلى. وفي التنـزيل: ]فوقهم الله شرّ ذلك اليوم[ (الإنسان:  11).

... الوِقاء والوَقاء والوَقاية والوِقاية والواقية: كلّ ما وقيت به شيئاً.

وقال اللحياني: كلّ ذلك مصدر وقيتُهُ الشيءَ. وفي الحديث: من عصى الله لم يَقِه منه واقية إلاّ بإحداثِ توبة. وأنشد بالباهلي وغيره للمتنخِّل الهُذَلي:

لا تقه الموتَ وقيّاته       خطّ له ذلك في المهبلِ

قال: وقّياته ما توقّى به من ماله والمهبل المستودع. ويقالُ وقاكَ الله شرّ فلان وقايةً. وفي التنـزيل العزيز: ]ما لهم من الله من واق[ (الرّعد: 34) أي من دافع. ووقاه الله وِقاية، بالكسر، أي حفِظَه؛ ... .

وقد توقّيتُ إتقّيت الشيءَ وتقيته أتّقيه تقىً وتقيةً وتقاءً: حذرته والإسم التقوى. والتاء بدل من الواو والواو بدلٌ من الياء. وفي التنـزيل: ]آتاهم تقواهم[ (محمد:  17) أي جزاءَ تقواهم وقيلَ معناه ألهَمَهُم تقواهم.

وقوله تعالى: ]هو أهل التقوى وأهل المغفرة[ (المدثّر:  56) أي هو أهل أن يتّقى عقابه وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته. وقوله تعالى: ]يا أيها النبي إتق الله[ (الأحزاب: 1) معناه أثبت على تقوى الله ودم عليه.

وفي الحديث: إنما الإمام جنّة يتّقى به ويقاتَل من ورائه أي أنّه يُدفع به العدوُّ ويتّقى بقوَّته والتاء فيها مبدلةٌ من الواو لأن أصلها من الوقاية وتقديرها إوتقى فقلبت وأدغِمَت. فلمّا كثر استعمالها توهَّموا أنّ التّاءَ من نفس الحروف فقالوا: اتّقى يتّقي بفتح التاء فيها. وفي الحديث: كنّا إذا احمرّ البأس إتّقينا برسول الله (ص) أي جعلناه وقاية لنا من العدوّ قدامنا واستقبلنا العدوّ به وقمنا خلفه وقايةً)[1].

-                   قال الزّبيدي في تاج العروس: (وقاهُ يقيه وقياً، بالفتح ووقايةً بالكسر وواقية: صانه وستره عن الأذى وحماه وحفظه، فهو واقٍ. ومنه قوله تعالى ]ما لهم من الله من واق[ (الرّعد: 34) أي من دافع.

وشاهِدُ الوقايةِ قولُ البُويصري:

وقاية الله أغنت عن مضاعفة       من الدّروع وعن عالٍ من الأطم

... ورجلٌ تقي كغني: قال إبن دريد: معناه أنّه موقٍ نفسه من العذاب والمعاصي بالعمل الصّالح من أقيت نفسي أقيها. ... وقالوا: ما أتقاه أي: ما أخشاه ورجلٌ وقّاء: شديد الإتّقاء)[2].

-                   قال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين: (والتقوى في كتاب العزيز جاءت لمعان: الخشية والهيبة منه، قوله تعالى: ]وإيّايَ فاتقون[ (البقرة: 41) والطاعة والعبادة ومنه قوله تعالى: ]إتقوا الله حقّ تقاته[ (آل عمران: 102) وتنـزيه القلوب عن الذنوب وهذه هي الحقيقة في التقوى ... .

وقوله تعالى: ]أفمن يتّقي بوجهه سوءَ العذاب[ (الزمر: 24) لأنه إذا أُلقيَ في النّار مغلولة يداه فلا يتهيّأ له أن يتوقّى النّارَ إلاّ بوجهه. والتقوى فعلى كنجوى والأصل فيه وقي من وقيتُهُ منعتُهُ.

وقولُهُم إتّقاه بحقّه: أي إستقبله به فكأنّه جعل دفعه حقّه إليه وقايةً من المطالبة والتّوقّي: التّجنُّبْ ومنه يتوقّونَ شطوط الأنهار. وفي حديث علي (ع): توقّوا البرد في أوّله وتلقّوه في آخره)[3].

-                   قال الراغب الإصفهاني في المفردات: (الوقايةُ حفظ الشيء ممّا يؤذيه ويضرّه والتقوى جعلُ النفس في وقاية مما يُخاف، هذا تحقيقه، ثمّ يسمّى الخوف تارةً تقوى والتقوى خوفاً حسبَ تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه، وصار التقوى في تعاريف الشرع حفظ النّفس عمّا يؤثم وذلك بترك المحظور)[4].

مع إلقاء النّظر إلى آراء أهل اللغة نفهم أنّ مادّة (وقي) تحمل هذه المعاني: حفظ الشيء، المحافظة عن الشيء، حماية الشخص أو الشيء، الحذر من شيء، أو شخصٍ او أمرٍ ما، الإبتعاد عن شيء ما، التّستّر خلف شيء، وحماية النفس بالتستّر والإختفاء والخوف من شخصٍ أو أمرٍ.

والآن نتعرّض لاستعمالات القرآن الكريم لهذه المادة والمعاني القرآنية لها، حيث ذكر القرآن الكريم هذه المادة أكثر من (250) مرّة. وهذه بعض تلك الآيات:

]يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ... [ (التحريم:6) أي: احفظوا أنفسكم وأهليكم.

]وقِنا عذاب النار[ (البقرة:201) أي: أبعدنا من العذاب بعدم دخولنا جنّهم.

]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته[ (آل عمران:102) أي: خافوا الله بترك المعاصي والقيام بالواجبات والطاعة لأمره.

]فوقهم الله شرّ ذلك اليوم[ (الإنسان:11) أي: أبعَدَهم من ذلك.

]وإيايَ فاتّقون[ (البقرة:41) أي: خافونِ دون غيري.


التقية في الإصطلاح:

نتعرّض هنا لذكر تعاريف أهل السّنة والشيعة للتّقية ولهذا المصطلح تعاريف متعدّدة ولسنا هنا في مقام اختيار تعريف أفضل أو أصح، إذ ليس لهذا الأمر علاقة بمفهوم التقّية والحال أنّ هذه التعاريف المختلفة كلّها تؤدي الغرض وهو إيضاح المفهوم. وهذا أهمّ تعاريف الطائفتين للتقية:
تعريف الشيعة للتقية:

-                   الشيخ المفيد (336-413هـ) في كتابه (تصحيح الإعتقاد): (كتمان الحق وستر الإعتقاد به ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقّب ضرراً في الدّنيا والدّين)[5].

-                   الشيخ مرتضى الأنصاري (1214-1282 هـ) في كتابه (رسالة التقية): (التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قولٍ أو فعلٍ مخالفٍ للحق)[6].

-                   محمد جواد مغنية في كتابه (الشيعة في الميزان): (بأنها تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك، أو مالِك، أو لتحتفِظَ بكرامتك ...)[7].
تعاريف أهل السنّة للتقية:

-                   شمس الدين السّرخسي الحنفي (ق 5هـ): في كتابه (المبسوط): (التقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه)[8].

-                   تعريف إبن حجر العسقلاني الشافعي (ق 9هـ) في كتاب (فتح الباري): (التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير)[9].

-                   شهاب الدين الآلوسي الحنبلي (ق 13هـ) في تفسيره (روح المعاني): (محافظة النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء)[10].

أقول: التعاريف التي سبق ذكرها تدلّ على قرابة هذا المفهوم في أذهان العلماء مع ما في هذه التعاريف من اختلافٍ جزئية لكنّها تصبّ في مجال واحد ومفهوم معيّن.


 

 

 

 
الفصل الأول

 

 

 
الأدلة القرآنية للتقية
 

نقوم في هذا الفصل بعرض اهم الايات القرانية التي تدل علی التقية وذکر اسباب نزول الايات مع محاولة تبيين المفاهيم العامه المستنبطة من الايات الشريفة:


 
 
 
الآية الأولى:

(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير). (آل عمران: 28)


 

الآية الشريفة من أهم الآيات التي تصرح بحكم التقية وهي مما يستدل بها معظم المحققين الإسلاميين بمختلف مذاهبهم واتجاهاتهم ولا سيما المفسرين إذ خاضوا في تفسيرها كلّ حسب مذهبه الفقهي والعقائدي، فكانت تفاسيرهم للآية الشريفة قريبة جداً من جهة دلالة الآية بصورة عامة.

ففي استقرائنا لآراء المفسرين حول الآية الشريفة يتضح لنا نهي القرآن الكريم عن موالاة أعداء الإسلام والكفار والركون إليهم وهذا امر يبغضه الله تعالى والموالي والمحبّ والمتعاون مع الكفار بعيد عن موالاة الله عز وجلّ ولا يجتمع موالاة أعداء الله وموالاة المؤمنين، نعم؛ يرخّص الله تعالى في إظهار الموالاة للأعداء في حالة الخوف منهم فيظهرُ المؤمن موالاتهم تقيّة منهم وهذه حالة قد يتعرض لها الإنسان المؤمن، وقد استنبط المحققين من هذه الآية جواز التقية؛ بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس أو العرض أو المال بل وحتى لجلب منفعة للمسلمين.

وهذا رأي صاحب التفسير الكبير (فخر الرّازي) في شرح الآية الشريفة:

»وفي الآية مسائل: في سبب النـزول وجوه (الأول) جاء قوم من اليهود إلى المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الرحمن بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر من المسلمين اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنـزلت هذه الآية.

(والثاني) قال مقاتل: نـزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يتولون اليهود والمشركين ويخبرونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله (ص) فنـزلت هذه الآية (الثالث) أنها نـزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فنـزلت هذه الآية.

فإن قيل أنه تعالى قال ]ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء[ وهذا صفة الكافر قلنا معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء وهذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة الكافرين.

واعلم أنه تعالى أنـزل آيات كثيرة في هذا المعنى، قوله تعالى ]لا تتخذوا بطانة من دونكم[، ]لا تجد قوما يومنون بالله واليوم الآخر يوادون ... [.

وقوله تعالى ]لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء[ وقوله ]لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء[ وقال ]والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض«[[11].

ذكر المفسّر ثلاثة وجوه لسبب نـزول الآية:

الأول:

 ان مجموعة من اليهود أرادوا أن يفتنوا المسلمين عن دينهم، فحذّرهم رفاعة بن المنذر وعبد الرحمن بن جبير وسعيد بن خيثمة[12].

الثاني:

وهو رأي مقاتل: نـزلت في أناس كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأخذون أخبار المسلمين إليهم ومنهم حاطب بن أبي بلتعة[13].

الثالث:

في يوم الأحزاب أراد شخص أن يستعين بأصحابه وحلفائه من اليهود في الوقوف أمام المشركين حيث طلب من النبي (ص) أن يؤذِن له بطلب الإستعانة منهم وهو عبادة بن الصامت[14].

أن الله تعالى حذّر المؤمنين من موالاة الكفار والملاطفة معهم والرّكون إليهم والإستعانة بهم وهذا ما نراه في كثيرٍ من الآيات بصراحة فالمؤمن أولى بالمؤمن. وهذه الوجوه الثلاثة التي ذكرت كسبب لنـزول الآية تفيد هذا المضمون والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما لا يخفى.

 

*****

 
مفاهيم الآية:

في هذه الآية الشريفة مبدأ مهمّ ورئيسي يحدّد أبعاد الحركة والعلاقات للفرد المسلم، وتجعل هذه الآية وغيرها الإيمان أساساً لعلاقات الفرد المسلم. والآية في ما نفهم – تريد أن تقرّر للمؤمنين قضية ترتبط بحقيقة الإيمان كي يكون الإيمان حاكماً على الفكر والسلوك والحركة والحبّ والبغض.

وقد جائت الآية لتعبّر عن هذه الحقيقة بأسلوب حاسم ممّا يعطي القضية أهميّتها الكبرى في حساب الإيمان: ]لا يتخذ المؤمنون[ الذين عاشوا الإيمان عقيدة والتزمواه عملاً، فكان الله أحبّ إليهم من أنفسهم ومن كل شيءٍ آخر.

(الكفرين) الذين جحدوا الله في وجوده وتوحيده ورسالاته واتبعوا الشيطان في خططه وحبائله. (أولياء) يتبعونهم بأوامرهم ونواهيهم، ويتحرّكون في خططهم وتعاليمهم، يوالون من والوا ويعادون من عادوا، يتبعونهم في شعارهم وزيّهم ونحلتهم ويفضلونهم على المؤمنين. ]من دون المؤمنين[ بل لابد وأن يفضّلوا المؤمنين على غيرهم في كلّ الأمور، إذ أن ذلك هو علامة الإيمان الحق الذي يوالي أولياء الله وهذا هو المبدأ القرآني الذي صرّح به القرآن الكريم: ]المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض[ (التوبة: 17).
أسلوب التقية ودوره في الحركة الإسلامية:

]إلا أن تتقوا منهم تقاة[ وذلك بإظهار الإنسجام معهم بما يريدونه ويفرضونه من أوامر ونواهي والإظهار للكفرين بأنهم معهم في القيم والمبادي والمشي حسب منهجهم الفكري والإعتقادي وذلك تحت الضغط الخفي أو المعلَن الذي يواجهه المسلمون المستضعفون من قبل الظلمة والمستكبرين وهذه رخصة من الله عزّ وجلّ.

وفي ضوء هذا نعرف أنّ التقية ليست سقوطاً تحت تأثير المستكبرين والتزاماً بأوضاعهم وإنسجاماً مع إنحرافاتهم بحيث ينتقلون من الهدى إلى الضلال، بل هي علمية ظاهرية شكلية ومرحلية في مواجهة التحدّيات وهذا كما قلنا ظاهر الأمر والمؤمن يعيش في نفسه الرّفض للظلم وأهله وللكفر وأتباعه. وفي هذا الإستثناء نعرف شرعية التقية في ظروفها الخاصّة التي يخضع لها الإنسان من خلال الضغوط الصّعبة التي تشلّ حياته وتعرضها للخطر فهو يبحث عن مجال ليحافظ على نفسه وعلى عقيدته بأسلوب يوحي للأعداء أنّه معهم.
التقية وحدود الله:

علينا أن لا ننسى أن الله يلاحق الإنسان في خلواته، فهو يعلم كل شيء يصدر من الإنسان فكراً وعملاً ظاهراً كان أو خفياً، وهو يعلم ما تخفي الصدور وكلّ شيء مكشوف لديه وحاضر عنده والمصير إليه. وربّما كان هذا التحذير ]ويحذركم الله نفسه[ للذين يمارسون التقية بأن عليهم أن لا يتّخذوا من الرخصة وسيلة لتجاوز الحدود ومن ثمّ الإنحراف عن مسير الإيمان وهذا ما لابدّ من الإنتباه إليه حتى لا يقع المؤمن في فتن الكفار ويميل ويركن إليهم وعليه أن يتذكر دائماً أنّ الله محيط به ويعلم ما عليه العباد في السّر والعلانية ويراقب قلبه من دخول العقائد والآراء الفاسدة التي فيها تعدّ لحدود الله عزّ وجلّ و]إلى الله المصير[.

*****
علوّ المؤمن وسفل الكافر

 

» المسألة الثالثة: قوله ]من دون المؤمنين[ أي من غير المؤمنين كقوله ]وادعوا شهداءكم من دون الله[ أي من غير الله، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان، تقول زيد جلس دون عمر أي في مكان أسفل منه، ثمّ إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملاً في معنى غير، ثم قال تعالى ]ومن يفعل ذلك ... شيء[ وفيه حذف، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله تعالى رأساً، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي، وموالاة عدوه ضدان، قال الشاعر:

تودّ عدوي ثمّ تزعم أنني      صديقك ليس النّوك عنك بعازب

ويحتمل أن يكون المعنى: فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ«.

 

تريد الآية: - حسب الظاهر - تبين علوّ المؤمن وفضله وشرفه وسفل الكافر شأناً ومنـزلة لأنّ المؤمن هو الأعلى وهو العزيز بدليل قوله: ]وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين[ (آل عمران: 139)    و]لله العزة ولرسوله وللمؤمنين[ (المنافقون:  8) وأيضاً في الآية معنى الإستخاف والإستهانة للكافر حيث قال ]من دون المؤمنين[[15].

*****


 
 
 
 
الآية الثانية:

]من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صددراً فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذاب عظيم[ (النحل: 106)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
شأن نزول الآية:

سورة النحل مكية وقد نـزلت في بداية الدّعوة إلى دين الإسلام، والمسلمون بعد ثلة  قليلة جداً: وهذا يعني أنّ تاريخ تشريع التقية في الإسلام كان في بداية أمر هذا الدّين الحنيف.

والرّاي المشهور في نـزول الآية الشريفة هو أنّه لمّا انكشف أمرُ عمّار وأبويه وغيرهم من الموالي والمستضعفين، إتّفقت قريش على تعذيبهم والتّنكيل بهم ليكونوا نكالاً لغيرهم، فخرج أبو جهل ومعه جماعة من المشركين إلى دار ياسر وأضرموا فيها النّار ووضعوا عمّاراً وأبويه في الأغلال ثمّ ساقوهم بأسنّة الدماح ورؤوس الحراب والسياط حتى انتهوا بهم إلى بطحاء مكة فانهالوا عليهم بالضرب إلى أن سالت دماؤهم، ثمّ سلّطوا النّار على صدورهم وأيديهم وأرجلهم ووضعوا الأحجار الثقال على صدورهم ونحو ذلك من أنواع التعذيب والتنكيل وهم مع ذلك صابرون، ومرّ النّبي (ص) على عمّار وأبيه وأمّه وهم يعذّبون في بطحاء مكّة بالسّياط والنّار، فإذا تعب الجلاّدون وضعوا على صدر كل واحد صخرة وتركوهم على ظهورهم يستقبلون شمس الصحراء المحرقة، فدَعا لهم النبي (ص) بالفرج وبشَّرهم بالجنة. وارتفع صوت سميّة وهي تقول للرّسول (ص): أشهد أنّك رسول الله وإن وعدك الحق، وعاد عليهم الجلاّدون بالضرب والكيّ بالحديد المحمّي بالنّار إلى أن غشيَ عليهم فلمّا أفاقوا من غشيتهم أعادوا عليهم الكرّة ولم يمنعهم ذلك عن ذكر الله سبحانه.

واشتدّ عليهم غضب أبي جهل وصاح بسميّة لتذكرنّ آلهتنا بخير أو لتموتنّ، فقالت له بؤساً لك ولآلهتك، فقتلها أبو جهل بوحشية لا نظير لها وقضى على حياتها فكانت أول شهيدة في الإسلام. ثمّ اتّجه إلى زوجها ياسر وأخذ يضربه برجله في بطنه إلى أن مات شهيداً، واتّجهوا بعد ذلك إلى تعذيب عمّار حتى اضطروه أن يذكرَ آلهتهم بخير ويذكر محمداً بما يريدون فأطلقوا سراحه عند ذلك. فجاء إلى النبي (ص) باكياً والنبي (ص) يسلّيه ويعزّيه بفقد أمّه وأبيه وهو يبكي ويقول: لم أترك يا رسول الله وقد أكرهوني حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي (ص) كيف تجد قلبك يا عمّار؟ قال إنّه مطمئن بالإيمان يا رسول الله، فقال فما عليك فإن عادوا إليك فعُد لهم بما يريدون وقد أنـزل الله فيك (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)[16].

إن التاريخ الإسلامي حافل بصورة كهذه، خاصة تاريخ المسلمين الأوائل وأصحاب الأئمة عليهم السلام.

بناءً على هذا فالتقية جائزة في موارد وواجبة في موارد أخرى. وخلافاً لما يعتقده البعض ليست التقية علامة للضعف أو الخوف من تسلّط الأعداء ولا هي تسليم لهم، بل هي نوعٌ من المراوغة المدروسة والحسوبة لحفظ الطّاقات الإنسانية لِما للإنسان المؤمن من مسؤولية في الحفاظ على العقيدة ونشرها والحفاظ على المؤمنين الآخرين. فالتقية قبل أن تكون برنامجاً إسلامياً هي أسلوب عقلاني ومنطقي، يعمل به كلّ من يعيش صراعاً مع عدوٍّ قوي متمكّن منه. ولذا فقد ورد تعبير (الترس) عن التقية في الأحاديث الشريفة، فعن الإمام الصادق (ع): (التقية ترس المؤمن)[17]. إذن التقية حصن يتحصن فيه المسلمون أمام الطغاة والجبابرة كلّما دعت الضرورة إلى ذلك.

 

وأما كلام المفسّر الكبير فخر الرّازي في تفسير الآية الشريفة:

»المسألة الثانية: أجمعوا على أنّه لا يجب عليه التكلّم بالكفر، يدلّ عليه وجوه: أحدها: روينا أنّ بلالاً صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد. روي أنّ أناساً من أهل مكة فتنوا فارتدّوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكده فأجرى كلمة الكفر على لسانه، مع أنه كان بقلبه مصرّاً على الإيمان، منهم: عمار وأبواه ياسر وسميّة، وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم، عُذّبوا، فأمّا سمية فقيل: رُبطت بين بعيرين ووُخزت في قلبها بحربة، وقالوا إنّك أسلمت من أجل الرّجال وقُتلت، وقتل ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فقيل يا رسول الله، إنّ عماراً كفر، فقال كلاّ إن عمّاراً ملئ إيماناً من فرقه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمّار رسول الله (ص) وهو يبكي فجعل رسول الله (ص) يمسح عينيه ويقول (ما لك إن عادوا لك فعد لهم لما قلت)[18]، ومنهم جبر مولى الحضرمي أكره سيّده فكفر، ثم اسلم مولاه وحسن اسلامهما وهاجرا«[19].

أمّا قول المفسّر: (أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلّم بكلمة الكفر) ففيه تأمّل؛ لأنّه مخالف لصريح الآية الشريفة واستدلّ المفسّر بفعل عمّار بن ياسر عندما صبر على التعذيب. ومع غضّ النظر عن دلالة الآية فنعلم أنّ الكفر والإيمان مسألتان قلبيتان أي ينعقدان في قلب المرء وصميمه وليس من الضرورة أن يظهرها الإنسان على لسانه[20] وهذا ما نراه في أحوال كثير من النّاس فهم يعتقدون بأمور لا ترى على ظاهرهم أثراً لها. فليس من الضروري على المؤمن أن ينطق بكلمة الإيمان بشيء من مستلزمات الإيمان في كلّ أنحاء الحياة، ومع فرض إثبات أنّ النطق بكلمة الإسلام واجب على المسلم ومن علامات الإيمان ولكن إثبات هذا الفرض لا ينفي وجود الفرضيات الأخرى. بعبارة أوضح: الحالة التي يكون الإنسان فيها مؤمناً لكنّه لا يتلفّظ بكلمة الإسلام ولا يظهر شيئاً من مستلزمات الإيمان والأمر واضح. وعلى هذا الأرجح أن يقول المفسّر: أجمعوا على أنّه لا يجوز أن ينعقد في قلبه علاقة مع الكفر أو يميل إلى الكفر ويعدل عن الإيمان، ويجوز[21] بل يجب أحياناً أن يتلفظ بكلمة الكفر وفي هذه الصورة يصحّ استدلال المفسّر بقصة عمّار وأبويه والمؤيد لقولنا قول الرسول (ص) لعمّار:

(ما لك إن عادوا فَعُد لهم بما قلت) إذ أن صيغة الأمر لا تتناسب مع كلام المفسّر حيث قال: (أجمعوا على أنّه لا يجب عليه التكلّم بالكفر).


 
الآية الثالثة:

]وقال رجلٌ مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربيَ الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم وإن يَكُ كاذباً فعليه كَذِبه وإن يكُ صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذّاب[ (الغافر: 28)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآية الشريفة تشير إلى مشروعية التقيّة قبل ظهور شمس الإسلام وهي في ضمن قصّة موسى (ع) والطاغية فرعون. عندما اشتدّ الصّراع بين موسى (ع) وفرعون، يذكر القرآن الكريم أنّ فرعون قرّر قتل موسى (ع) ليتخلّص منه ولِمَنع انتشار دعوته وذلك في قوله تعالى: ]وقال فرعون ذروني أقتل موسى[ (الغافر: 26) ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ موسى (ع) وفرعون وهي المرحلة التي تتمثّل بقصة (مومن آل فرعون) وكان من المقرّبين إلى فرعون ولكنّه اعتنق دعوة موسى التوحيديّة من دون أن يُفصِحَ عن إيمانه وإنّما تكتّم عليه وتظاهر على أنّه على دين فرعون، ومن جهة أخرى عندما سمع بقرار فرعون على قتل موسى (ع) رأى المؤمنُ نفسَه مكلَّفاً بحماية موسى (ع) من أيّ خطر يمكن أن يتوجّه من فرعون أو جلاوزته؛ نعم، عندما شاهدَ أنّ حياة موسى (ع) في خطر بسبب غَضَب فرعون، بادر بأسلوبه المؤثر للقضاء على هذا المخطَّط ومن موقعه من فرعون وسلطته.

 
نظرة خاطفة إلى القصّة:

وردت قصة موسى (ع) في القرآن الكريم أكثر من سائر الأنبياء وفي أكثر من ثلاثين سورة. ونرى أنّ للقرآن الكريم نظرة خاصة إلى مواجهات موسى (ع) وفرعون ممّا يدلّ على أهمية هذا المقطع الخاص من حياة النبي موسى (ع).

عندما يشتد الصّراع بين الطّرفين وفَعل ما فَعل فرعون بأتباع موسى (ع) (كقتلِ الأولاد واستحياء النساء و...) ومع ذلك يحسّ فرعون وحاشيته أنّ الخطر ما زال موجوداً وهو وجود موسى (ع) ودعوته المستمرّة مع الإتيان بالآيات والمعجزات.

فرأى فرعون أنّ الحلّ الأخير لهذه المشكلة هو قتل موسى (ع) والتخلّص منه ]وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربّه[ (الغافر: 26) ونستفيد من الآية أنّ أكثرية مستشاريه ومقرّبيه كانوا يعارضون قتل موسى (ع)، لخوفهم أن يطلب من ربّه نـزول العذاب، لِما كانوا يرون من معجزاته وأعماله غير العاديّة - إلا أن فرعون بدافعٍ من غروره يصرّ على قتل موسى (ع). وحجّته أنّ فرعون سبباً للفساد ]إنّي أخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد[ (الغافر: 26). فإذا سكتَ فرعون عن موسى (ع) ولم يقتله، فيسظهر دين موسى (ع) وينتشر وينفذ في قلوب النّاس، وتتزايد أنصار موسى (ع) وأتباعه ولا يمكن السيطرة عليهم آنذاك، فتكون مصلحة فرعون وسلطته في خطر فلهذا التجأ فرعون إلى قرار قتل موسى (ع).
مؤمن آل فرعون

عندما يقرّر فرعون بقتل موسى (ع) وتكون حياته على خطر يظهر هذا المؤمن الذي كان من المقرّبين إلى فرعون وصاحب شأن رفيع في سلطته، وهو في داخله مؤمن بدعوة موسى التّوحيدية من دون أن يفصح عن إيمانه وإنّما تكتّم عليه.

فعندما شاهد أنّ حياة موسى في خطر بسبب غضب فرعون، بادر بأسلوبه المؤثر للقضاء على هذا المخطّط. فدخَل المؤمن في حوارٍ يخاطب فيه فرعون وحاشيته ]أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم[! هل فيكم من يستطيع أن ينكر معجزاته، ألم تشاهدوا بأعينكم انتصارَه على السَّحرة حيث أسلموا له عن قناعة تامّة، فلا تستعجلوا في أي عملٍ تجاهه ]وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم[ نعم إن كان كاذباً فسيَنفضِح أمره في النّهاية وأمّا إذا كان صادقاً فلا جرم أنّ مواعيده صادقة وواقعة، لذا فإنّ قتله أمرٌ بعيد عن المنطق والصّواب.

ولم يتوقّف مؤمن آل فرعون من حواره بل استمرّ بأسلوبه الحكيم وطريقته البديعة. ]يا قوم لكم الملك اليوم ظهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا[ (الغافر: 29). أي من ينصُرُنا من عذاب الله إذا كان موسى صادقاً؟ وممّا يدلّ على حُسن مخاطبته لهم وكتمانه لعقيدته أنّه استخدم ضمير الجمع في خطابه أي أنا أحدُكم فكلّ ما ينـزل بكم ينـزل بي أيضاً خيراً كان أو شراً وبالطبع هذا النوع من الكلام يؤثر في قلوب المخاطبين من حاشية فرعون إلاّ أن نفس الطاغية فرعون تأبى وتتكبّر عن الحق، فيقطع فرعون كلام المؤمن: ]قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرّشاد[ (الغافر: 29). أي أنّي أرى المصلحة في قتل موسى (ع) وهذا هو الحلّ الأخير والخيار الأخير بل وهو الرأي الصواب.
التحذير من العاقبة

ثمّ بدأ المؤمن يستمر في خطابه بعدما قطع فرعون كلامه، فذكّرهم بالأمم الماضية مثل قوم نوح وعاد وثمود وحذّرهم من تكرار ما فعلوا كَيْلا ينـزل بهم مثل ما نـزل بتلك الأقوام. وكيف كانوا يصرّون على كفرهم وطغيانهم فنال كلٌّ منهم جزائه، إذ قُتل من قتل منهم بالطوفان العظيم، وأصيب آخرون منهم بالرّيح الشديدة، وبعضهم بالصواعق المحرقة و... .

واليوم يخاطبهم مؤمن آل فرعون: ألا تخاتفون أن تصيبكم إحدى هذه البلايا العظيمة بسبب إصراركم على الكفر والطغيان؟ هل عندكم ضمان على أنّكم لستم مثل أولئك الأقوام؟ أم أن العقوبات الإلهيّة لا تشملكم؟ لماذا لا تتأمّلوا سيرة تلك الاقوام حتّى تتجنّبوها وتسلمون ممّا أصابهم؟ لقد عارضوا الأنبياء، بل لجؤوا إلى قتلهم في بعض الأحيان، لذلك أنا أخاف عليكم مثل هذا المصير المؤلم!

]وقال الذي، آمن يا قوم إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد * يا قوم إني أخاف عليكم يوم التّناد * يومَ تولّون ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد[ (الغافر: 30 إلى 33).

وذكّرهم المؤمن أنّ ما يصيبكم وينـزل عليكم هو من عند أنفسكم وبما قدّمت أيديكم. وفي كلّ الأحوال، لقد قام مؤمن آل فرعون بعمله فانتهى إلى إجهاض المخطّط الفرعوني، أو على الأقل وفَّر الوقت الكافي في تأخير تنفيذ هذا المخطّط إلى أن يستطيع موسى (ع) أن يتخلّص من الخطر. نعم؛ أنجز مؤمن آل فرعون مهمّة كبيرة. وفي نهاية الأمر لم يترك الله تبارك وتعالى هذا المؤمن المجاهد وحيداً وإنّما ]فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب[ (الغافر: 45). أي: نجّاه الله ممّا نـزل بفرعون وقومه من العذاب وحفظه من كيدهم. وتفيد بعض التفاسير أنّ مؤمن آل فرعون التحق بموسى (ع) وعبر البحر مع بني اسرائيل و...[22] .

 

 

*****

وهذا تفسير الفخر الرازي للآية الشريفة:

»اعلم أنّه تعالى لمّا حكى عن موسى (ع) أنّه ما زاد في دفع مكر فرعون وشرّه على الإستعاذة بالله، بين أنّه تعالى قيض إنساناً أجنبياً غير موسى (ع) حتى ذبّ عنه على أحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة واجتهد في إزالة ذلك الشرّ[23].

اختلفوا في ذلك الرجل الذي كان من آل فرعون، فقيل إنّه كان إبن عمٍّ له وكان جارياً مجرى وليّ العهد ومجرى صاحب الشرطة، وقيل كان قبطياً من آل فرعون وما كان من أقاربه، وقيل إنّه كان من بني اسرائيل، والقول الأول أقرب لأنّ لفظ الآل يقع على القرابة والعشيرة«[24].

مع غضّ النظر عن اسم المؤمن ونسبته والإختلافات المذكورة في التفاسير بهذا الشأن فلا أحد يشكّ في إيمانه وتصديقه لموسى (ع) وأنّه قام بالدّفاع عن موسى (ع) وكان يوهِم فرعون وحاشيته على أنّه على دينهم وطريقتهم. فلا شكّ أنّه لو أظهر إيمانه وإسلامه لموسى (ع) لا أحَدَ يتقبّل كلامه وبعد ذلك يفقُد مكانته من فرعون، نتيجة إظهاره للإيمان لا تكون إلاّ فقدان قدرته على الدّفاع من موسى (ع)، فالتجأ إلى هذه الطريقة والأمر واضح من خلال النّظر إلى القصّة.

أقول: قصة مؤمن آل فرعون من أبرز مصاديق التّقية[25] التي لا يستطيع أي شخصٍ إستنكارها. لقد كانت (تقيّة) مؤمن آل فرعون لأجل خدمة دين موسى (ع) والدّفاع عنه في اللحظات الصعبة. تُرى هل كان بوسع مؤمن آل فرعون القيام بكلّ هذه الخدمات لدعوة موسى (ع) لو لم يستخدم أسلوب التقيّة؟

نعم، إنّ فاعليّة هذا المبدأ تكسب أهميّة كبيرة في الوقت الذي يكون فيه المؤمنون قلّة خاضعة للأكثرية التي لا ترحم ولا تتعامل وفق المنطق، فالعقل لا يسمح بإظهار الإيمان والتّفريط بالطّاقات الفعّالة، لأجل الإستفادة منها في الظروف المناسبة.

إنّ التقية ليست سوى التّكتُّم على الإعتقاد في فترة معيّنة وما يحصل عليه الإنسان بإستخدام التقيّة لا يمكن أن يحصل عليه بأيّ أسلوب آخر.

ألا وإنّ طريق المنطق وقوة الإحتجاج والذّكاء خير طريق في سبيل التغلُّب أو التخلّص من الأعداء[26].

ثم يطرح المفسّر شبهة حول إيمان ذلك المؤمن وهي على النّحو الآتي:

»واعلم انّه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنّه كان يكتم إيمانه، والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون، ولهذا السبب حصل ههنا قولان (الأول) أنّ فرعون لمّا قال ]ذروني أقتل موسى[ لم يصرّح ذلك المؤمن بأنّه على دين موسى (ع)، لأنّه لم يصدر عنه إلاّ الدّعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة النّاس بأقبح الكلمات، بل الأولى أن يؤخّر قتله وأن يمنع إظهار دينه، لأن على هذا التقدير إن كان كاذباً كان وبال كذبه عائداً إليه، وإن كان صادقاً حصل الإنتفاع به من بعض الوجوه، ثمّ أكّد ذلك بقوله ]إنّ الله لا يهدي من هو مسرفٌ كذّاب[ يعني أنّه صدق فيما يدّعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف  الكذاب، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله ]إن الله لا يهدي من هو مسرفٌ كذاب[ أنّه يريدُ موسى (ع) وهو إنّما كان يقصد به فرعون، لأن المسرف الكذّاب هو فرعون. (والقول الثاني) أنّ مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولاً، فلمّا قال فرعون ]ذروني أقتل موسى[ أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى (ع) وشافه فرعون بالحق«[27].

وحاصل كلام المفسّر أن مؤمن آل فرعون لا يخرج عن حالتين وفي كلتا الحالتين كان يستخدم التقية؛ الحالة الأولى: أنّه كان مؤمناً بموسى (ع) وبقى كاتماً على إيمانه عندما قرّر فرعون قتل موسى (ع) ودخل في الحوار مع فرعون ولم يكن دفاعه عن موسى (ع) يوحي بأنّه على دين موسى بل كان يوهِمُ لفرعون وحاشيته أنّه على دينهم وطريقتهم. والحالة الثانية: أنّه كان مؤمناً بموسى (ع) لكن يخفي إيمانه خوفاً على نفسه فلمّا قال فرعون ]ذروني أقتل موسى[ أظهر إيمانه للدّفاع عن موسى (ع) ورسالته.

*****

 
 
إيحاءات القصة:

عندما نتابع هذه الآيات يمكننا أن نطبق كثيراً من تعاليمها في حياتنا المعاصرة ونستطيع بيانها في مسألتين كلّيّتين:

1-  وجود مؤمنين غير معلنين يعيشون مع مجتمعاتهم بأسلوب يعطي انطباعاً بأنّهم لا يختلون مجتمعاتهم من حيث المعتقدات ومن حيث طريقه الحياة، ولكن من دون أن ينحرفوا عن الخط الصحيح الذي هو الإيمان، وهم يتابعون دعوتهم إلى الله عزّ وجلّ.

 

2-  ملاحقة العاملين في سبيل الله في أوساط المجتمع والدفاع والحماية عنهم بصورة بعيدة عن أيّ نوع من السلبيّات وبصورة تمنع من أيّ صِدامٍ مع المجتمع او مع السلطة. وهذا الأسلوب هو الأسلوب الناجح في تبليغ الإيمان بصورة غير مباشرة وإسناد المؤمنين المتحرّكين في سبيل إحقاق الحق، بالأخص إذا كان المجتمع يسيطر عليه الطغاة والجلاوزة فكلّ حركة تكون خارج نطاق الفكر الحاكم ستواجِه الرّد العنيف والشديد كالمجتمع الفرعوني و... .

*****

 
 
 
 
الفصل الثاني
 
التقية، شرائطها وأحكامها

 

نتطرق في هذا الفصل الی ذکر انواع العلاقات التي تقوم بين المومنين وغيرهم وتحديد العلاقات التي يرفضها القرآن الکريم ومن ثم معرفة الحالة الاستثنائية التي تسمی التقية وهي رخصة من الله عزوجل وفي ختام الفصل نذکر بعض احکام التقية.

 

 

 

 

 

 
 
 
أنواع العلاقة القائمة بين المؤمن والكافر:

ثم بدأ المفسر بذكر الحالات الواقعة في العلاقة بين المؤمن والكافر وكيف يكون المؤمن موالياً للكافر؟

»واعلم أن كون المؤمن موالياً للكفار يحتمل ثلاثة أوجه: (أحدهما) أن يكون راضياً بكفره ويتولاه لأجله، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوباً له في ذلك الدين، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر، فيستحيل أن يبقى مؤمناً مع كونه بهذه الصفة.

فان قيل أليس أنه تعالى قال: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية، لأنه تعالى قال يا أيها الذين آمنوا فلابد أن يكون خطاباً في شيء يبقى المؤمن معه مؤمناً«.

 

وفيها ثلاثة حالات:

الأولى:

وهي الحالة المنهيّة؛ حيث يكون راضياً بكفره ويتولاّه ويخرج المؤمن من كونه ومؤمناً لأنّ موالاة الكفار دلالة على الرّضى بفعلهم. وقوله تعالى ]لا يتخذ المؤمنون[؛ قرّب هذا المعنى إلى الذهن أي: لا يكون المؤمن مؤمناً وهو يوالي الكافرين. ومن فعل هذا الفعل بعيدٌ من موالاة الله عزّ وجلّ والمؤمنين[28].

*****

»و(ثانيهما) المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر، وذلك غير ممنوع«.

الثانية:

أن يعاشرهم في الدنيا معاشرة جميلة ظاهرية ولا يعتقد ما يعتقدون وهو في قلبه يتبرّي منهم وهذه الحالة مسموح فيها بدليل قوله ]إلا أن تتقوا منهم تقاة[.

»و(القسم الثالث) وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم والمعونة والمظاهرة، والنصرة إما بسبب القرابة، أو بسبب المحبّة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجرّه إلى استحسان طريقته والرّضا بدينه وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدّد الله تعالى فيه فقال ]ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء[.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه، وأيضاً قوله ]لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) فيه مزية زيادة، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه موالياً فالنهي عن اتخاذه موالياً لا يوجب النهي عن أصل موالاته.

قلنا هذان الإحتمالان وإن قاما في الآية إلا أنّ سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلت على سقوط هذين الإحتمالين«.

الثالثة:

هذه الحالة تكون في حين كان الإنسان يوالي الكفار ويوالي المؤمنين أيضاً. وهذه الحالة منتفية لأن لا يمكن أن يدخل في قلب المرء حبّ عدوّين متناقضين من حيث المبدأ[29].

****
الحالة الإستثنائية:

 ]إلا أن تقوا منهم تقاة[

»ثم قال تعالى ]إلا أن تقوا منهم تقاة[ وفيه مسائل:

المسألة الثالثة: قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله (ص) فقال لأحد – هما: أتشهد أن محمداً رسول الله قال نعم، نعم، نعم، فقال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد (ص) رسول قريش، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم، فقال أفتشهد أني رسول الله؟ فقال إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله (ص)، فقال أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلاتبعة عليه.

واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى ]إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان«[.

]إلا أن تتقوا منهم تقاة[:

أي أن تجعلوا أنفسكم في تقية لتأمنوا على دينكم وذويكم. وذكر المفسّر رواية تقرّب مفهوم التقية وهي قصة مسيلمة الكذّاب[30]، فكلّ من يضع نفسه أمام هذه الحالة فلا شكّ أمامه طريقين: طريق التقية الذي سمح فيه للمؤمن أن يتظاهر بما يخالف معتقده وهي حالة إستثنائية ورخصة من الله عزّ وجلّ، وطريق الوقوف أمام الظالم ونهاية هذا الطريق واضح في الرواية.

 

*****
أحكام التقية

»المسألة الرابعة: إعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها.
في اي ظرف تکون التقية؟

الحكم الأول: إن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة. ولكن بشرط أن يضمر خلافه، وأن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب[31]«.

أحكام التقية وتفاصيلها:

سؤال: في أي ظرف تكون التقية؟ في حال يعيش المؤمن بين قوم كفّار (والخلاف الإعتقادي بين الإيمان والكفر واضح) بحيث لا يستطيع أن يمارس شعائره الدينية ولا يُسمح له أن يفصح بما في قلبه من معتقدات[32] وإذا أظهر ما في قبله صار مَن حوله يعاديه ويؤذيه ولا يستبعد أن يُنهب ماله ويُهتك عرضه وما إلى ذلك ومنهم من أوجب التقية في هذه الحالة[33].
الافصاح بالايمان افضل!

»الحكم الثاني للتقية: هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل، ودليل ما ذكرناه في قصة مسيلمة«.

في حكم من أفصح بالحق وكانت التقية جائزة: فلابدّ أن نجعل عاقبة الأمور أمام أعيننا فنرى أنّ هناك حقيقة وراء تشريع التقية! نعم الإفصاح بالحق من شدّة الإيمان وهو فضيلة وهذا مستنبط من قول الرّسول (ص)، أما في الرخصة آثار وفوائد بعيدة المدى: أهمّها هو: أنّ الباطل زاهق فيبقى المؤمنون المتستّرون المحافظون على ايمانهم بقوّة وعزم ينتظرون الفرصة لإبلاغ رسالات الله عزّ وجلّ وإظهار ايمانهم بقوة وفخر وهذا في حالة زهوق الباطل وانتهاء عمر الطاغوت إذ لا ترجيح لقبول رأي المفسّر حيث فضّل الإفصاح بالحق والتقية جائزة[34].

 
الافعال التي لا يجوز ارتکابها تقيةً:

»الحكم الثالث للتقية: أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلّق بإظهار الدين فأما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز البتة«.

لابد لنا أن نتذكّر دائماً أن التقية إنما وضعت وشرّعت لصون الأنفس والأعراض وماء وجه المسلمين، نعم أُبيح للمؤمن أن يرتكب بعض ما هو محرّم في ظروف حرجة؛ أمّا غصب الأموال والشهادة بالزور ومن هذا القبيل فلا تقية فيه وهذا ما يصرّح به المذهب الإمامي[35] وصرّح به المفسّر الشافعي (فخر الرازي).

 
تجوز تقية المومن بين الکفار الغالبين!

»الحكم الرابع: ظاهر الآية تدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه: أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماة على النفس.
هل تجوز التقية لصون المال:

الحكم الخامس: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله (حرمة مال المسلم كحرمة دمه) وقوله ]من قتل دون ماله فهو شهيد[ ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط الوضوء، وجاز الإقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا والله اعلم«.

هل تجوز التقية لحفظ المال؟ وبعبارة أوضح هل يستطيع المؤمن أن يحافظ على ماله بكتمان عقيدته وإظهار الباطل؟ أما المفسّر (فخر الرازي) فاحتمل الجواز. وفي حقيقة الأمر لا يستبعد هذا الرأي وهو كلام حسن مما لا يخفى على ذوي الألباب. ونذكر ما ورد في هذا المجال، ما ورد عن الإمام الحسن العسكري (ع) في التفسير المنسوب إليه: (وإنّ إظهارك برائتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا ولئن تتبرأ منّا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامك ومالك الذي به قوامها وجاهها الذي به تماسكها، وتصون من عُرف بك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا وأخواتنا من بعد ذلك بشهور أو سنين إلى أن تنفرج تلك الكربة وتزول به تلك الغمة، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك وتنقطع به عن العمل في الدين وصلاح إخوانك المؤمنين)[36].

 

 
جواز التقية الی يوم القيامة:

»الحكم السادس: قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتاً في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا، وروى عوف عن الحسن: أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان«.

لا علاقة لحكم التقية بأول الإسلام أو في غير الأوقات وإنما الأساس هو الحالة والظرف الخاص الذي يدعوا إلى التقية في أي بلد أو وقت كان والتقية كما هو معروف حالة نادرة عارضة وليست حالة دائمية وإن طالت في بعض الأحيان لكن تأتي التقية موافقة للظروف والعوامل التي تستدعيها وينتهي حكمها في ما انتهت الظروف العسيرة الصعبة، سواء في أول الإسلام أو في زماننا هذا. وقد يكون المؤمن في عهد شوكة الإسلام في بلد غريب عن الإسلام فيأخذ بالتقية ستراً وصوناً لنفسه أو يكون الإسلام ضعيفاً والمسلمون قلّة يعيشون بين كفّار ومشركين لكن لا يصل إليهم سوء أو تهديد منهم ولا ضرر على المؤمن إذا أبرز دينه وعقيدته[37].

 
 


 
 
 
 
الفصل الثالث

 

 

 
التقية والإكراه

 

 

 

 

 

نسعی في هذا الفصل لبيان ماهية الاکراه وعلاقة الاکراه بالتقية وذکر مراتب الاکراه والحالات المختلفة التي يواجها المکرَه والاحکام التي تترتب علی ما يصدر منه من فعل او قول.


ماهية الإكراه وموقف المكرَه

»المسألة الرّابعة: يجب ههنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التكلّم بكلمة الكفر، وهو أن يعذّبه بعذاب لا طاقة له به، مثل التخويف بالقتل، ومثل الضرب الشديد والإيلامات القويّة، قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله (ص)، وأبو بكر، وخباب وصهيب وبلال، وعمّار وسميّة. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فمنعه أبو طالب، وأمّا أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا درع الحديد، ثمّ أجلسوا في الشمس فبلغ منهم الجه بحر الحديد والشمس، وآتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبّخهم ويشتم سميّة، ثمّ طعن الحربة في فرجها. وقال الآخرون: ما نالوا منهم غير بلال، فإنهم جعلوا يعذّبونه، فيقول: أحد أحد، حتى ملّوا فاكتفوا فجعلوا في عنقه حبلاً من ليف ودفعواه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملّوه فتركوه. قال عمّار: كلّنا تكلّم بالّذي أرادوا غير بلال فهانت عليه نفسه فتركوه. قال خناب: لقد أوقدوا لي ناراً ما أطفاها إلا ودك ظهري[38]«.

يريد المفسّر بيان مفهوم الإكراه[39]، فالحقيقة أن المؤمن الملتزم لا يتقرّب على حدود الله ولا يتعدّاها إلا أن يرى هناك خطراً أو ضرراً كبيراً يصل إليه. فليس كل ضرب أو أذيّة أو تخويف يوجب التقيّة بل كما قال المفسر أن يعذّب بعذاب لا طاقة له به كالتّخويف بالقتل المحتمل أو الضرب الشديد أو الإيلامات القويّة، فهذه خير مصاديق لمفهوم الإكراه الموجب للتقية. ولا ننسى أن الله تعالى يعلم بما يدور وينعقد في القلوب ويعلم أيضاً مدى طاقة الأفراد وتحمّلهم ولا يكلّفهم ما لا يطيقونه حيث جعل التقية رخصة للمؤمنين[40].

 

»المسألة الخامسة: أجمعوا على أنّ عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرئ قلبه من الرّضا به وأن يقتصر على التعريضات مثل أن يقول أن محمداً كذاب، ويعني به محمداً آخراً ويذكره على نية الإستفهام بمعنى الإنكار[41] وهنا بحثان: البحث الأول: أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النيّة أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النيّة كان ملوماً وعفو الله متوقّع. البحث الثاني: لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كلّ أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرِّح بأنّه ما أراد شيئاً منها، وما أراد إلاّ ذلك المعنى، فههنا يتعيّن إمّا التزام الكذب وإمّا تعريض النفس للقتل. فمن الناس من قال يباح له الكذب هنا، ومنهم من يقول ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي. قال لأن الكذب إنّما يقبح لكونه كذباً، فوجب أن يقبح على كلّ حال، ولو جاز أن يخرج عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح وحينئذٍ لا يبقى وثوق بوعد الله تعالى ولا بوعيده لاحتمال أنّه فعَل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلاّ الله تعالى«.

البحث الأول: طبيعة الإكراه تقتضي التظاهر بما يريده المُكرِه، والمكرِه مهما فعل من الأفعال لا يستطيع أن يغيّرَ ما في قلب المكرَه وكما ذكرنا سابقاً؛ محل الإعتقاد هو قلب الإنسان فلا داعي أن يكون المرء ملوماً في حالة الإكراه لأنّه لم يفعل الفعل طوعاً واختياراً ولم يتغيّر ما في قلبه بواسطة الإكراه فَلِمَ يكون ملوماً؟

البحث الثاني: يبدوا أنّ المفسّر أخلط بين بعض المفاهيم - حيث تغافل مفهوم الآية الشريفة: وهو الإكراه والإكراه يقتضي الكذب لأن المُكرَه المضطرّ يريد أن يتخلّص من الأعداء ويحافظ على نفسه والحلّ الوحيد هو الكذب أي: يعطي للمكرِه ما يريد بلسانه وإن كان خلاف الحقيقة (مفهوم التقية) كيْ ينجو من الهلاك والتَّلَف وهذا الكذب أحلّه الله عزّ وجلّ - وإن كان عدم النطق بالكذب فضيلة - ولكن جعل الله رخصة للمؤمنين.

أما دليل المفسّر بشأن قبح الكذب في أية حالة فغير صحيح بل يخرج الكذب عن قبحه في مثل هذه الحالات إذ يكمُنُ ورائه مصلحة بعيدة ومهمّة والعقل يقول بإختيار الأفضل على الفاضل أي اختيار المصلحة البعيدة على الفضيلة، وفي إنكار هذا الأمر فواتُ خيرٍ عظيم.

وأمّا قول المفسّر: (لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح ...) فباطل أساساً، فكيف يجوز قياس افعال الخالق بأفعال المخلوق وأحواله والكلّ يعلم أنّ الخالق غير المخلوق وإذا كان الإنسان يُكرَه أو يُجبَر أو يضطرّ إلى فعلٍ فمن الذي يُكرِه الله جلّ وعلى أمرٍ وهذا الإحتمال لا محلّ له والله تعالى عزيز عمّا يصفون.

****


مراتب الإكراه

»المسألة السابعة: اعلم أن للإكراه مراتب:

المرتبة الأولى: أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر أو أكل الخنـزيز وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل. وذلك لأن صون الرّوح عن الفوات واجب، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلاّ بهذا الأكل، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى، فوجب أن يجب لقوله تعالى ]ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة[.

المرتبة الثانية: أن يصير ذلك الفعل مباحاً ولا يصير واجباً، ومثاله ما إذا أكرهه على التّلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنّه لا يجب كما قرّرناه.

المرتبة الثالثة: أن لا يجب ولا يباح بل يحرّم، وهذا مثل ما إذا أكرهه على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المُكره أم لا؟ قال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه يجب القصاص ويدلّ عليه وجهان، الأول: أنه قتله عمداً عدواناً فيجب عليه القصاص لقوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى[ والثاني: أجمعنا على أنّ المكرِه إذا قصد قتله فإنّه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل، فلمّا كان توهّم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه، فلأنّ يكونَ عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدراً كان أولى والله أعلم«.

يبيّن المفسّر مراتب الإكراه ودرجاته: فأمر المُكره لا يخرج عن ثلاثة أحوال: الوجوب، الإباحة والحرمة. فالوجوب فيها إذا أُكره الشخص على أكل لحم الخنـزيز أو شرب الخمر، والإباحة التّلفظ بكلمة الكفر. وأمّا الحرمة: فيما إذا اضطرّ الإنسان أو أُكره على قتل إنسان آخر في مقابل إنقاذ نفسه، فكما صرّح المفسّر لا مجال لقتل النفس أو التعدّي على دماء الآخرين وحرمة قتل النفس باقية على حالها.

»المسألة الثامنة: من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلّم بكلمة الكفر، ومنه لا يقبل الإكراه عليه، قيل: وهو الزنا، لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من إنتشار الآلة، فحيث دخل الزنا في الوجود عَلم أنه وقع بالإختيار لا على سبيل الإكراه«.

جاء المفسّر هنا بتقسيم غريب للأفعال: فجعل الأفعال على قسمين من جهة قبول الافعال للإكراه وعدم قبولها. فهناك أفعال يمكن أن يكون الإنسان مكرهاً عليها ومن الأفعال ما لا تقبل الإكراه ومثّل بالزنا ومراده أنّ الزنا لا يدخل تحت عنوان الإكراه أي: لا يمكن إكراه الشخصٍ على الزنا بدليل أنّ الإكراه يوجب الخوف الشديد ولا يمكن وقوع فعل الزنا مع الخوف الشديد. فنرِدُ عليه بإشكال: ماذا تقول في المرأة، هل تُكرَه المرأةُ على الزنا؟ وهل نستطيع أن نجعل الخوف الشديد دليلاً على امتناع تحقق الزنا في الواقع ثمّ نجعله قانوناً كلّياً ... ؟ أقول: يتّضح لنا ضعف هذه القسمة للأفعال بقليل نظرٍ ودقّة[42].


هل يترتب الحكم على كلام المكره؟

»المسألة التاسعة: قال الشافعي رحمه الله: طلاق المُكرَه لا يقع وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقع، وحجّة الشافعي رحمه الله: قوله ]لا إكراه في الدين[ ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأنّ ذاته موجودة فوَجَبَ حمله على نفي آثاره، والمعنى: أنّه لا أثر ولا عبرة به، وأيضاً قوله عليه السلام: (رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وأيضاً قوله عليه السلام (لا طلاق في إغلاق) أي إكراه فإن قالوا: طلِّقها فتدخل تحت قوله ]فإن طلّقها فلا تحلّ له[، فالجواب لما تعارضت الدلائل، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا والله أعلم«.

نفهم من هذه المسألة: أنه لا أثر لأقوال الإنسان في حالة الإكراه إذ يخرج الإنسان من حالة إختياره وإرادته ويتكلّم بخلاف ما يُضمِرُ في نفسه ولا أثر لكلامه ولا يترتّب عليه أثر خارجي. وجاء في الحديث: (رفع عن أمّتي ... وما استكرهوا عليه). وعلى هذا لا يقع طلاقه.

 
الإيمان في القلب والتقية باللسان

»المسألة العاشرة: قوله ]وقلبه مطمئن بالإيمان[ يدلّ على أنّ محلّ الإيمان هو القلب والذي محلّه القلب إمّا الإعتقاد وإما كلام النفس. فوجب أن يكون الإيمان عبارة إمّا عن المعرفة وإما التصديق بكلام النفس والله أعلم[43]«.

وكما ذكرنا سابقاً: محلّ الإيمان هو القلب ولا داعي لإظهار الإيمان على اللسان أو إظهار علائم الإيمان أمام الناس وفي كلّ حين[44] والآية الشريفة تبين بوضوح أن الصدر أو القلب هو محل إنعقاد الإيمان ]ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم[ إلاّ من أكره على الكفر وهو بريءٌ من الكفر من أعماق وجوده فلا حرج عليه حيث كان الإيمان بالقلب والتقية باللسان.

 

 


 
 
 
الملحقات
 
الملحق الأول

]ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة إدفع باللتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم[ (فصّلت: 34)

إنّ هذه الآية تدلّ على وجوب تمسّك المسلم بالأخلاق الفاضلة ومراعاة شعور الآخرين ومقابلة الإسائة بالإحسان، وردّ الباطل بالحقّ والتساهل والتّسامح مع الآخرين بحيث يصل الأمر إلى مرحلة كأنّما تقوم بين المؤمن وأعدائه علاقة حسنة لا يشكّ فيه أحد. ولا يمكن هذا إلاّ بالمداراة مع النّاس وبهذا الأسلوب يخرج من كيد الأعداء سالماً. وفي الآية إشارة واضحة إلى هذا النوع من أساليب دفع الضرر عن النفس والعرض والمال[45].


المُلحق الثاني

أصحاب الكهف مجموعة من المؤمنين كانوا يعيشون في ظلّ حياة مترفة، إلا أنهم كانوا أصحاب ضمير حي يأبى عبادة الأصنام والعقائد التي تنكرها الفطرة السليمة، إذ كانوا يظهرون أنّهم على دين الملك (دقيانوس) وكانوا في ضميرهم يعتقدون بإله واحد هو ربّ السماوات والأرض. إلى أن وصل بهم الأمر أن يلتجئوا إلى الكهف - وهذه الآيات الشريفة دلالة على مشروعية التقية قبل التشريع الإسلامي[46].

 
الملحق الثالث

 

]فمن اضطرّ غير باغ ولا عادٍ فلا إثم عليه إنّ الله غفور رحيم[ (الحج: 78)

]فمن اضطرّ في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم فإن الله غفور رحيم[ (المائدة: 3)

]فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ ربّك غفورٌ رحيم[ (الأنعام: 145)

]وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطُرِرتم إليه[ (الانعام: 119)

]فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإن الله غفورٌ رحيم[ (النحل: 115)

 

*****

]وما جعلَ عليكم في الدّين من حَرَج[ (الحج: 78)

]وما يريد الله ليجعل عليكم من حَرَج[ (المائدة: 6)

 

*****

]يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر[ (البقرة: 184)

]ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة[ (البقرة: 195)

 

*****

عندما نحاول أن نجمع بين هذه الطوائف الثلاثة من الآيات نرى أن الله عزّ وجلّ لم يكلِّف الإنسان أمراً فوق طاقته وتتغيّر الأحكام والموازين الإلهية في حين عدم استطاعة العباد القيام بها إذ فيها ما يوجب العسر الشديد بل وحتى هلاك المكلّف، ويأبى الله تعالى ذلك. نعم والإتيان بفعلٍ فيه العسر والتهلكة هو مخالفة لإرادته عزّ وجلّ كالصيام للمسافر وحجّ من لم يكن مستطيعاً وغير ذلك. وهذه الطوائف الثلاثة من الآيات الّتي هنّ واضحة الدلالة، صارت مرجعاً أساسياً لقواعد الشريعة الإسلامية وتتمثل بالقواعد الفقهية كقاعدة: وجوب دفع الضرر والمحتمل، نفي العسر والحرج وقاعدة لا ضرر وكلّ محرّم اضطرّ إليه فهو حلال ... .

ولا شك أنّه لا داعي للتقية إلا الخوف من ضرر على النفس أو دفع الخطر أو الإضطرار ونحو ذلك: أي تكون التقيّة في مثل  هذه الحالات وفيها دلالة تضمّنيّة على مفهوم التقية وجوازها بالفعل إضافة على القول[47].
خلاصة البحث:

التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر موضع في القرآن الكريم، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي أثناء الظروف الصعبة، ليصون بها نفسه أو من يمتّ إليه بصلة وعرضه وماله. ولاذ بها عمار عندما أخذ وأسّر وهدّد بالقتل، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنة.

لقد عرفنا من خلال هذا البحث أنّ مفهوم التقية هو: إظهار الكفر وإبطان الإيمان أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق. والهدف منها: هو صيانة النفس أو العرض أو المال، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن من أن يعلن عن موقفه الحق صريحاً، خوفاً من أن يترتب على ذلك مضارّ وتهلكة من القوى الظالمة كلجوء الحكومات الظالمة إلى الإرهاب والتشريد والنفي والقتل والتنكيل ومصادرة الأموال وسلب الحقوق الحقّة، فلا يكون لصاحب العقيدة الحقّة إلا مكاتمة الحقّ والتظاهر بما يطابق الأجواء السائدة وهوى الحاكم حتى يسلم من الإضطهاد والتنكيل والقتل إلى أن يحدث الله أمراً.

إن التقيّة سلاح الضعيف في مقابل القويّ الغاشم، سلاح من يبتلي بمن لا يحترم دمه وعرضه وحريّته وفكره، لا لشيء إلا أنه لا يتفق معه في بعض المبادئ والأفكار.

 

أما أدلتها فالعقل والفطرة يسوقان الإنسان بالتمسك بالتقية في ظروف استثنائية لأجل البقاء واستمرار الحياة وأما الأدلة القرآنية كثيرة حيث ذكرنا أهمها في هذا البحث كقصة عمار بن ياسر ومؤمن آل فرعون وقصة أصحاب الكهف و... ثم قمنا بذكر أهم آراء المفسرين بشأن الآيات الكريمة.

أقول: قد اشتهرت الشيعة الإمامية بالتقية أكثر من غيرها وهو إشتهار باطل إذا التجأت وتلتجأ إلى التقية حكومات وشعوب وجميع أهل الأديان والفرق وحتّى المجموعات السياسية صغيرة أو كبيرة لأجل أن تحفظ نفسها من الخطر ومن الإنعدام وقد يتضح هذا من خلال النظر إلى أقوال علماء الفرق الإسلامية بشأن التقية حيث جمعت هذه الآراء في كتاب (واقع التقية عند الفرق والمذاهب الإسلامية) لمؤلّفه (ثامر هاشم حبيب العميدي) وفي هذا المجال كتب كثيرة عرّفت التقية وناقشتها على أساس معتقدات مختلفة. ومن كتب الشيعة الإمامية في هذا الباب رسالة الإمام الخميني (ره) في التقية و... .

نأمل في الختام أن يكون البحث شافياً يظهر للقارئ صورة صحيحة نقية من التقية، وأن يسدد خطانا، إنه خير مدعو وخير مجيب.

والحمد لله رب العالمين.


 
المصادر

1-                  القرآن الكريم

كتب اللغة:

2-                  تاج العروس من جواهر القاموس، محبّ الدين الواسطي الزبيدي الحنفي     (م1145هـ)، دار ليبيا للنشر والتوزيع، بلا تاريخ.

3-                  لسان العرب، ابن منظور الأفريقي المصري (630-711 هـ)، نشر أدب الحوزة، قم 1405 هـ .

4-                  مجمع البحرين، فخر الدّين الطريحي (م1085هـ)، تحقيق سيّد أحمد حسيني (على طريقة المعاجم العصرية). دفتر نشر فرهنگ اسلامي، تهران، 1408 هـ.

5-                  مفردات الفاظ القرآن، راغب الإصفهاني (م425هـ)، منشورات ذوي القربى، قم1425هـ.

الكتب التي تطرقت للتقية:

6-                      بحوث في الملل والنّحَل، جعفر السبحاني، ج6 - لجنة إدارة الحوزة العلميّة - الطبعة الأولى، قم 1412هـ.

7-                       تصحيح الإعتقاد بصواب الإنتقاد أو شرح عقائد الصدوق، محمّد بن النعمان - الشيخ المفيد - (336-413هـ)، منشورات الرّضي، قم، 1363هـ ش.

8-                  التقية عند أهل البيت (ع)، مصطفى قصير العاملي، المجمع العالمي لأهل البيت (ع) الطبعة الثانية، قم1416 هـ.

9-                  التقية في الإسلام، سامي مكارم، مؤسسة التراث الدّرزي، الطبعة الأولى، بيروت 2004م.

10-            التقية، شيخ مرتضى الأنصاري (1214-1282هـ)، نشر مؤسسة قائم آل محمّد، قم 1420هـ.

11-            سيرة المصطفى، هاشم معروف الحسني، انتشارات المكتبة الحيدرية. الطبعة الثانية 1420هـ.

12-            الشيعة في الميزان، محمد جواد مغنية، دار التعارف للمطبوعات بيروت، 1979م.

13-            فتح الباري بشرح صحيح البخاري، إبن حجر العسقلاني الشافعي، (م852هـ)، درا احياء التراث العربي، بيروت 1986م.

14-            المبسوط، شمس الدين السرخسي الحنفي (409هـ)، دار المعرفة، بيروت 1978م.

15-            واقع التقية عند الفرق والمذاهب الإسلامية، ثامر هاشم حبيب العميدي. مركز الغدير للدّراسات الإسلامية، الطبعة الأولى 1995م.

16-            وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، محمّد بن الحسن الحر العاملي (م1104)، دار احياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الخامسة 1983م.

التفاسير الشيعية:

17-            الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل، ناصر مكارم الشيرازي، مؤسسة البعثة، بيروت، الطبعة الأولى 1992م.

18-            البرهان في تفسير القرآن، سيّد هاشم البحراني (م1107هـ)، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الأولى 1999م.

19-            التبيان في تفسير القرآن، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، (385-460هـ)، دار احياء التراث العربي، بيروت. بلا تاريخ.

20-            تفسر فرات الكوفي، فرات بن ابراهيم بن فرات الكوفي (من أعلام الغيبة الصغرى)، مؤسسة النعمان للطباة والنشر، 1992م.

21-            تفسير الصّافي، المولى محسن الفيض الكاشاني (م1091هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، بلا تاريخ.

22-            تفسير القرآن الكريم، سيد عبد الله شبّر (م1242هـ)، سفارة الجمهورية الإسلامية بدمشق، الطبعة العاشرة، 1999م.

23-            تفسير القمّي، أبو الحسن علي بن ابراهيم القمّي (ق3هـ)، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى 1991م.

24-            التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (ع)، تحقيق مدرسة الإمام المهدي (ع). قم 1409هـ.

25-            تفسير من وحي القرآن، محمّد حسين فضل الله، دار الملاك للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية 1999م.

26-            جوامع الجامع، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ق6هـ)، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الثانية 1420هـ.

27-            زبدة البيان في براهين أحكام القرآن، المحقق الأردبيلي (م993هـ)، قم، انتشارات مؤمنين، الطبعة الثانية 1421هـ.

28-            مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، (ق6هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1995م.

29-            الميزان في تفسير القرآن، محمّد حسين الطباطبائي. دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الخامسة، 1372 هـ ش.

التفاسير السنية:

30-            أحكام القرآن، أبو بكر الجصّاص (م370هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بلا تاريخ.

31-            أحكام القرآن، أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري الإشبيلي المالكي المعروف بإبن عربي (468-543هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت 2001م.

32-            أنوار التنـزيل وأسرار التأويل، القاضي أبو سعيد الشيرازي البيضاوي (م791هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2003م.

33-            تفسير البحر المحيط، أبو حيّان محمّد بن يونس الأندلسي (م745هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2001م.

34-            تفسير السّمرقندي المسمّى ببحر العلوم، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد السّمرقندي (ق4هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1996م.

35-            تفسير الكبير ومفاتيح الغيب، فخر الدين محمّد الرازي (544-604هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 2002م.

36-            جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، (م310هـ)، دار إبن حزم - دار الإعلام، 2002م.

37-            الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (م671هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 2002م.

38-            روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين الآلوسي (م1270هـ). دار احياء التراث العربي، 1999م.

39-            زاد المسير في علم التفسير، ابو الفرج عبد الرّحمن ابن الجوزي، (م579هـ)، دار الكتب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م.

40-            في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، بيروت 1992م.

41-            الكشف والبيان المعروف بتفسير الثعلبي، أحمد بن ابراهيم الثعلبي، (م427هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 2002م.

42-            المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد بن غالب بن عطية الأندلسي (م546هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2001م.

43-            معالم التنـزيل في التفسير والتأويل، الحسين بن مسعود الفرّاء البغوي، (م510هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2002م.

44-            النكت والعيون، أبو الحسن علي بن محمّد المارودي البصري        (364-450هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بلا تاريخ.

 

 

 

[1] - لسان العرب، إبن منظور، ج15، ص401.

[2] - تاج العروس، الزّبيدي، ج10، ص396 .

[3] - مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي، الجزء الرابع، ص 540 .

[4] - مفردات ألفاظ القرآن، راغب الإصفهاني، ص 881 .

[5] - تصحيح الإعتقاد، الشيخ المفيد، ص 115 .

[6] - التقية، مرتضى الأنصاري، ص 37 .

[7] - الشيعة في الميزان، محمد جواد مغنية، ص 48 .

[8] - المبسوط، السَّرخسي، ج24 ، ص 45 .

[9] - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، إبن حجر، ج2، ص 136 .

[10] - روح المعاني، الآلوسي، ج3، ص 161 .

[11] - التفسير الكبير، فخر الرّازي، ج4، الجزء الثامن، ص 12-15 .

[12] -  ذكره الآلوسي أيضاً؛ روح المعاني، الجزء الثالث، ص 159-167.

[13] -  ذكره الآلوسي أيضاً؛ روح المعاني، الجزء الثالث، ص 159-167.

[14] -  ذكره الآلوسي أيضاً؛ روح المعاني، الجزء الثالث، ص 159-167.

[15] - أشار الشيخ الطوسي بهذه ا لمسألة في تفسيره: (لا تجعلوا ابتداء الولاية مكاناً  دون المؤمنين لأن مكان المؤمن الأعلى ومكان الكافر الأدنى، كما تقول زيدٌ دونك ولست تريد أنه في موضع مسفل، وأنك في موضع مرتفع لكن جعلت الشرف بمنـزلة الإرتفاع والخيانة كالإستفال. وفي الآية دلالة على أنها لا يجوز ملاطفة الكفار). التبيان في تفسير القرآن، ج2، ص 434 – 435.

[16] - نقلاً عن سيرة المصطفى بتصريف: سيرة المصطفى، هاشم معروف الحسني، ص 144- 145.

[17] - وسائل الشيعة؛ الحر العاملي، ج11، الحديث (6) من باب (24) من أبواب الأمر بالمعروف.

[18]   -    ذكرها الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج6 ص 428- 429.

-         ذكرها الفيض الكاشاني، الصافي في تفسير القرآن، ج3، ص 157- 158.

-         ذكرها الطبرسي، مجمع البيان، ج6، ص 202- 204.

-         ذكرها الطبري، جامع البيان في تفسيراي القرآن، ج8، ص 220- 223.

-         ذكرها الآلوسي، روح المعاني، ج14، ص 634- 638.

[19] - التفسير الكبير، المجلّد العاشر، ج20، ص 123- 126.

[20] - انظر ما قاله الآلوسي في هذا الموضوع: (واستدلّ بالآية على أنّ الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار ليس ركناً فيه كما قيل. واعترض بأنّه من جعله ركناً لم يرد أنّه ركن حقيقي لا يسقط أصلاً بل أنّه دالّ على الحقيقة التي هي التصديق إذ لا يمكن الإطلاع عليها فلا يضرّه عند سقوطه لنحو الإكراه والعجز فتأمّل). روح المعاني، ج14، ص 434- 638.

[21] - قال الآلوسي في تفسيره: (والآية دليل على جواز التكلّم بكلمة الكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنّب عن ذلك إعزازاً للدّين ولو تيقّن القتل كما فعل ياسر وسميّة). ج14، ص 634- 638.

[22] - نقلاً عن كتاب (قصص القرآن، مقتبس من تفسير الأمثل لمؤلّفه ناصر مكارم الشيرازي) يتصريف،  ص 227- 231.

[23] - فخر الرازي، التفسير الكبير، المجلّد الرابع عشر، ج27، ص 58.

[24] - وهذا عرض لآراء بعض المفسّرين في إيمان المؤمن واسمه ونسبته:

-         قال إبن حبيبا الماوردي في تفسيره (النّكت والعيون): (فيه قولان: أحدهما أنّه كان إبن عم فرعون، قاله السّدي، قال وهو الذي نجا مع موسى (ع). الثاني: أنّه كان قبطياً من جنسه ولم يكن من أهله، قاله مقاتل. قال إبن إسحاق: وكان اسمه حبيب، وحكى الكلبي كان اسمه حزبيل وكان ملكاً على نصف الناس وله المُلك بعد فرعون، بمنـزلة وليّ العهد. ... وفي إيمانه قولان: أحدهما أنّه كان مؤمناً قبل مجيء موسى (ع) وكذلك امرأة فرعون، قاله الحسن، فكتم إيمانه، قال الضّحاك: كان يكتم إيمانه للرّفق بقومه ثمّ أظهره) ج5، ص 28- 29.

-         قال أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان): (كان يكتم إيمانه من فرعون وقومه خوفاً على نفسه... ومجاز الآية: وقال رجلٌ مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون). ج8، ص 272- 273.

-         قال أبو الليث السّمرقندي في تفسيره (بحر العلوم): (وكان قد أسلم سراً من فرعون ...)، ج3، ص 304.

-         قال ابن الجوزي في تفسيره (زاد المسير): (وفي اسمه خمسة أقوال: أحدها: حزبيل قاله إبن عباس ومقاتل والثاني: حبيب قاله كعب. والثالث: سمعون بالسّين المهملة قاله شعيب الجبائي. والرابع جبريل والخامس شمعان. ... والاكثرون على أنّه آمن بموسى (ع) لمّا جاء. وقال الحسن: كان مؤمناً قبل مجيء موسى (ع) وكذلك امرأة فرعون. قال مقاتل: كتم إيمانه من فرعون مائة سنة). ج4،  ص 35.

-         نقل السيد هاشم البحراني في تفسيره (البرهان في تفسير القرآن): (1- علي بن ابراهيم، قال: حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: كان خازن فرعون مؤمناً بموسى (ع) قد كتم إيمانه ستمائة سنة ...). ج7، ص 19- 20.

[25] - قال الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان): (ولمّا قصد فرعون قتل موسى (ع) وَعَظهم المؤمن من آله وهو قوله: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) في صدره على وجه التّقية. قال أبو عبد الله (ع): التقيّة ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له. والتقية ترس الله في الأرض، لأنّ مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل). ج8، ص 437.

[26] - نقلاً عن تفسير الأمثل بتصريف. (الأمثل في تفسير كتاب الله المنـزل، ناصر مكارم الشيرازي). ج15 ص 225- 231.

[27] - فخر الرّازي، التفسير الكبير، المجلّد الرابع عشر، ج27، ص 61.

[28] - نقل هذا المضمون الشيخ الطوسي مستنداً بالآيات القرآنية: (قال ابن عباس نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً) (آل عمران: 118).

وقال: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله) (المجادلة: 22)،

وقال: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) (الأنعام: 68)،

وقال: (وأعرض عن الجاهلين) (الأعراف: 198)،

وقال: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) (التوبة: 74)،

وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذ اليهود والنصرى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (المائدة: 54)،

وكلّ ذلك يدل على أنه ينبغي أن يعاملوا بالغلظة والجفوة دون الملاطفة، والملاينة إلا ما وقع من النادر لِعارض من الأمر. التبيان في تفسير القرآن، ج2، ص 434 – 435.

- نقل هذا المضمون الفيض الكاشاني أيضاً في تفسير الصّافي: (لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء: نهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية أو نحوهما حتى لا يكون حبّهم وبغضهم إلا في الله وقد كُرّر ذلك في القرآن: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء)، (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر)... والحبّ في الله والبغض في الله أصل كبير من أصول الإيمان). ج 2، ص 26 – 27 .

[29] - أشار العلامّة الطباطبايي إلى هذا المعنى أيضاً في تفسير الميزان: (فاتخاذ الكافرين أولياء هو الإمتزاج الروحي بهم بحيث يؤدي إلى مطاوعتهم والتأثر منهم في الأخلاق وسائر شؤون الحياة وتصرفهم في ذلك؛ ويدل على ذلك تقيد هذا النهي بقوله: من دون المؤمنين، فإن فيه دلالة على إيثار حبهم على حب المؤمنين، وإلقاء أزمة الحياة إليهم دون المؤمنين، وفيه الركون إليهم والإتصال بهم والإنفصال عن المؤمنين. وقد تكرر ورود النهي في الآيات الكريمة عن تولّي الكافرين واليهود والنصارى واتخاذهم أولياء لكن موارد النهي مشتملة على ما يفسر معنى التولي المنهي عنه ويعرف كيفية الولاية المنهي عنها كاشتمال هذه الآية على قوله: (من دون المؤمنين) بعد قوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء)، واشتمال قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء...) (المائدة:  51) على قوله: بعضهم أولياء بعض، وتعقب قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء...) بقوله: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) إلى آخر الآيات وعلى هذا نأخذ هذه الأوصاف في قوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) للدلالة على سبب الحكم وعلّته وهو أن صفتي الكفر والإيمان مع ما فيهما من البعد والبينونة ولا محالة يسري ذلك إلى من اتصف بهما فيفرق بينهما في المعارف والأخلاق وطريق السلوك إلى الله تعالى وسائر شؤون الحياة لا يلائم حالهما مع الولاية فإن الولاية يوجب الإتحاد والإمتزاج، وهاتان الصفاتان توجبان التفرق والبينونة؛ وإذا قويت الولاية كما إذا كان من دون المؤنين أوجب ذلك فساد خواص الإيمان وآثاره ثم فساد أصله، ولذلك عقبه أيضاً بقوله: (ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء)، ثم عقبه أيضاً بقوله: (إلا أن تتقوا منهم تقية)، فاستثنى التقية فإنَّ التقية إنما توجب صورة الولاية في الظاهر دون حقيقتها...) . ج3، ص 151 – 153.

[30] - قصّة مسيلمة الكذاب؛ ذكرها الآلوسي أيضاً، روح المعاني، الجزء الثالث، ص 159 – 167.

-         ذكر الطوسي أيضاً: التبيان في تفسير القرآن، ج2، ص 434-435.

-         ذكرها الطبرسي أيضاً؛ مجمع البيان، ج2، ص 272- 474 .

[31] - تفسير الكبير، المجلد 4، الجزء 8، ص 12- 15.

[32] - شرح الآلوسي هذا الموضوع مفصّلاً: (وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء، والعدوّ قسمان: الأول من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم، والثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت التقية قسمين: أما القسم الأول فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه ولا يجوز له أصلاً أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبّث بعد الإستضعاف فإن أرض الله واسعة، نعم إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأبناء والآباء أو الأمهات تخويفاً يظن معه إيقاع ما خوّفوا به غالباً سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو بنحو ذلك فإنه يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه ولو كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له موافقتهم، وفي صورة الجواز أيضاً موافقتهم رخصة وإظهار مذهبة عزيمة فلو تلف نفس لذلك فإنه شهيد قطعاً، ومما يدل على أنها رخصة – ما روي عن الحسن: أن مسيلة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول ا لله (ص) فقال لأحدهما أتشهد أن محمداً رسول الله قال: نعم فقال أتشهد أني رسول الله (ص) قال: نعم ثم دعا بالآخر فقال له أتشهد أنّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم قالها ثلاثاً، وفي كلٍّ يجيبه بأني أصم فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله (ص) فقال: أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئاً له. أما الآخر فقبل رخصة الله تعالى فلاتبعهُ عليه.

أما القسم الثاني: فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضهم: تجب لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة:  195) وبدليل النهي عن إضاعة المال، وقال قوم: لا تجب إذا الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود من تركها نقصان في الدين لإتحاد الملة وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن، وقال بعضهم: الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضاً إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط ولكن ليست عبادة وقربة حتي يترتب عليه الثواب وليس كل واجب يثاب عليه لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة بل كثير من الواجبات ما لا يترتب عليه الثواب كالأكل عند شدة المجاعة والإحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض، وعن تناول السموم في حالة الصحة وغير ذلك، وهذه الهجرة أيضاً من هذا القبيل وليست هي كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله لتكون مستوجبة بفضل الله تعالى لثواب الآخرة.

وعدّ قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجههم والإنبساط معهم وإعطائهم لكف آذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها بل هي سنة أو أمر مشروع. فقد روى الديلمي عن النبي (ص) أنه قال: (ان الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض...)، روح المعاني، الجزء الثالث، ص 159- 167.

[33] - قال الطوسي في تفسيره: (حكم التقية: والتقية - عندنا -  واجبة عند الخوف على النفس وقد روي رخصة في جواز الإفصاح بالحق عندها. روى الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله (ص) فقال لأحدهما أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم، فقال له أتشهد أني رسول الله؟ قال إني أصمّ -  قالها ثلاثة كل ذلك تقية -  فتقوّل ذلك فضرب عنقه فبلغ ذلك (رسول الله) فقال أما هذا المقتول فمضى على صدقه وتقيته وأخذ بفضله فهنيئاً له. وأما الآخر فقبل رخصة الله، فلاتبعة عليه. فعلى هذا التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة وظاهر أخبارنا يدل على أنها واجبة، وخلافها خطأ)، التبيان في تفسير القرآن؛ ج2، ص 434-435.

[34] - يذكر الطبرسي نقلاً عن الشيخ المفيد: هذا ما ذكره الطبرسي: (قال المفيد (ره) إنها قد تجب أحياناً وتكون فرضاً، ويجوز أحياناً من غير وجوب، وتكون في وقت أفضل من تركها، وقد يكون تركها أفضل، وإن كان فاعلها معذوراً ومعفواً عنه، متفضلاً عليه بترك اللوم عليها. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي (ره). ظاهر الروايات تدل على أنها واجبت عند الخوف على  النفس، وقد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق عنده. (هناك يذكر المفسر قصّة مسيلمة الكذاب). فعلى هذا تكون التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة)، مجمع البيان، ج2، ص 434 – 435.

- قال العلامة الطباطبائي في ترجيح الإفصاح بالحق على التقية: (... وفي الآية دلالة ظاهرة على الرّخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ... وبالجملة الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة والإعتبار العقلي يؤكده إذ لا بغية للدين، ولاهمّ لشارعه إلا ظهور الحق وحياته وربما يترتب على التقية والمجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين وحياة الحق ما لا يترتب على تركها؛ وإنكار ذلك مكابرة وتعسّف)، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص 151- 153.

[35] - عدم جواز التقية في هكذا أمور واضح في المذهب الإثنى عشري؛ انظر رأي الشيخ الطبرسي في هذا الموضوع: (في هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقال أصحابنا: أنها جائزة في الأحوال كلها عند الضروروة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح. وليس تجوز من الأفعال في قتل (المؤمن)، ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين)، مجمع البيان، ج2، ص 434-435.

-         والأخبار الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) في هذا المضمون كثيرة ونذكر هذا الحديث من باب المثال: عن الباقر (ع): (جعلت التقية ليحقن بها الدّم، فإذا بلغ الدّم فلا تقية). الكافي: الكليني، ج2، ص 220.

-         ذكر الطبري رواية تقرّب هذا المضمون: (5372. حدثني المثنى، قال: ثنا اسحاق، قال ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى: (الا أن تتقوا منهم تقاة) قال: ما لم يهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله)، جامع البيان عن تأويل القرآن ج3، ص 280.

[36] - الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري (ع)، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري، ص 175- 176.

[37] - قال سيد قطب الدين قريباً من هذا المعنى؛ (ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان    والأوقات ...)، في ظلال القرآن، ج3، ص 385-386.

[38] - التفسير الكبير المجلد 10، الجزء 20، ص 123- 126.

[39] - قال الراغب الإصفهاني: (الكُره المشقّة التي تنال الإنسان من خارج فيها يُحمَل عليه بإكراه). مفردات ألفاظ القرآن، ص 707.

[40] - انظر ما قاله إبن عطية الأندلسي في هذا الشأن: (قال: مالك: والقيد إكراه والسجن إكراه والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع ... . قال القاضي أبو محمد: ويعتبر الإكراه عندي بحسب همّة المُكره وهمّه في الدين وبحسب قدر الشيء الذي يكره عليه، فقد يكون الضرب إكراهاً في شيء دون شيء، فلهذه النوازل فقه الحال). المحرّر الوجيز، ج3، ص 422- 424.

[41] - قال العلامة الطباطبائي قريباً من هذا الكلام: (المراد بالإكراه الإجبار على كلمة الكفر والتظاهر به فإن القلب لا يقبل الإكراه والمراد: استثنى من أكره على الكفر بعد الإيمان فكفر في الظاهر وقلبه مطمئن بالإيمان). الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص 353- 354.

- أجاز الشيخ الطوسي إظهار كلمة الكفر بنيّة التعريض وغيرها: (ولا خلاف بين أهل العدل أنه لا يجوز إظهار كلمة الكفر إلاّ مع التعريض بأن ينوي بقلبه ما يخرجه عن كونه كاذباً، فأمّا على وجه الإخبار فلا يجوز اصلاً لأنّه قادر على التعريض الذي يخرج به عن كونه كاذباً). التبيان في تفسير القرآن، ج6، ص 428- 429.

[42] - تفسير الكبير، المجلد 10، الجزء 20، ص 123- 126.

[43] - التفسير الكبير، المجلد 10، الجزء 20، ص 123- 126.

[44] - قال الطبري قريباً من هذا: (21950- ... عن إبن عباس، قوله (إلاّ من اكره قلبه مطمئن بالإيمان): فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله ولهم عذابٌ عظيم. فأمّا من أكره وتكلّم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم). جامع البيان، ج8، ص 220- 223.

[45] - اتفق المفسّرون على المفهوم العالم للآية الشريفة: نذكر بعض الآراء للإستشهاد بها:

-         قال ابن الجوزي في تفسيره: (زاد المسير): (والمعنى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، وللمفسرين فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ الحسنة الإيمان والسيئة الشرك، قاله إبن عباس. والثاني: الحلم والفحش، قاله الضّحاك. والثالث: النفور والصّبر، حكاه الماوردي. قوله تعالى: (إدفع باللتي هي أحسن): وذلك كدفع الغضب بالصبر والإسائة بالعفو، فإذا فعلتَ ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصّديق القريب. وقال عطاء: هو السلام على من تعاديه إذا لقيته). زاد المسير في علم التفسير، ج4، ص 52.

-         وجاء في تفسير فرات الكوفي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (جعلتُ فداك (لا تستوي الحسنة ولا السيئة)؟ قال: الحسنة التقية والسيّئة الإذاعة. قال: قلت: جعلت فداك (إدفع باللتي هي أحسن)؟ قال: الصّمت. ثمّ قال: فأنشدتك بالله هل تعرف ذلك في نفسك أنك تقوم مع قوم لا يعرفون ما أنت عليه من دينك ولا تكون! لهم ودّاً وصديقاً فإذا عرفوك وشعروك أبغضوك؟ قلت: صدقت. قال: فقال لي: فذا من ذاك). تفيسر فرات الكوفي، ج2، ص 385.

[46] - نستطيع أن نفهم التقية والظروف التي تستوجبها من خلال التأمّل في قصة أصحاب الكهف وخاصة في هذا المقطع: (... فأبعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزقٍ منه وليتلطّف ولا يشعرنّ بكم أحداً - إنهم إن يظهروا عليكم يرحموكم أو يعيدوكم في ملّتهم ولن تفلحوا إذاً أبدا) (الكهف: 19و20). وإليك بعض آراء المفسّرين:

-         قال البغوي: (وليتلطّف) وليترفّق في الطريق وفي المدينة وليكن في ستر وكتمان. (ولا يشعرنّ بكم) ولا يعلمنّ بكم أحداً من الناس. (إنهم إن يظهروا عليكم) أي: يعلموا بمكانكم (يرجموكم) قال إبن جريح: يشتموكم ويؤذوكم بالقول وقيل يقتلوكم. وقيل: كأنّ من عادتهم القتل بالحجارة وهو أخبث القتل، وقيل: يضربوكم. (أو يعيدوكم في ملّتهم) أي: إلى الكفر (ولن تفلحوا إذاً أبداً) إن عدتم إليه). معالم التنـزيل في التفسير والتأويل، ج3، ص 326.

-         قال القرطبي: (إذ قاموا فقالوا) يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - وهو مقامٌ يحتاج إلى الرّبط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا في ذات الله هيبته. والمعنى الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد، فقال اسنّهم: إني أجد في نفسي أنّ ربّي ربّ السموات والأرض؛ ونحن كذلك نجد في أنفسنا. فقاموا جميعاً فقالوا: (ربّنا ربّ السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً). أي: لئن دعونا إلهاً غيره فقد قلنا إذاً جوراً ومحالاً. والمعنى الثالث: أن يعبّر بالقيام عن انبعائهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس؛ كما تقول: قام فلان إلى امر كذا، إذا عزم عليه بغاية الجدّ.

وليتلطّف: أي في دخول المدينة وشراء الطعام (ولا يشعرنّ بكم أحدا) أي: لا يخبرنّ ... وقيل إن ظهر عليه فلا يوقعنّ إخوانه فيما وقع فيه ... .

وقيل: يرموكم بالسبّ والشتم، والأول أصح، لأنه كان عازماً على قتلهم كما تقدم في قصّتهم والرّجم في ما سلف هي كانت على ما ذكر قبله عقوبة مخالفة دين الناس إذا هي أشفى لجملة أهل ذلك الدين من حيث أنهم يشتركون فيها.

في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها ... وفي هذه الآية نكتة بديعة: وهي أنّ الوكالة إنها كانت مع التقية خوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم). الجامع لأحكام القرآن، المجلّد الخامس، ج10، ص 265.

-         ومن تفاسير الشيعة ما يدعم موضوع التقية أنه ذكر البحراني في تفسير البرهان روايتين من أبي عبد الله (ع): (قال: ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، كانوا يشدّون الزّنانير ويشهدون الأعياد وأعطاهم الله أجرهم مرّتين.

وفي العياشي عن أبي عبد الله (ع): قال: إنّ أصحاب الكهف كانوا أسرّ الإيمان وأظهروا الكفر، وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار الإيمان)، البرهان في تفسير القرآن، ج5، ص 11.

[47] - هذه نظرة سريعة لآراء المفسِّرين بشأن تلك الآية الشريفة:

-         قال الطبرسي في تفسير آية 173 من سورة البقرة: (فمن اضطرّ: إلى أكل هذه الأشياء ولضرورة جماعة أو إكراه، غير باغٍ: على مضطرٍّ آخر بالإستيثار عليه، ولا عادٍ: سدّ الجوعة وعنهم عليهم السلام: غير باغٍ على امام المسلمين ولاعادٍ بالمعصية طريقة المحقّين، فلا إثم عليه: أي لا حرجَ عليه). الطبرسي، جوامع الجامع، ج1، ص 175.

أقول: لا ننسى أن الآية في مقام بيان ما يحرَمُ أكلُه فصرّحت بهذا الإستثناء.

-         وهذا تفسير المحقّق الأردبيلي لآية 173 من سورة البقرة: (معناه من اضطرّ إلى كلّ هذه المحرّمات بل إلى فعل مطلق المحرّمات -  لعموم اللفظ - إلا ما أخرجه الدّليل مثل قتل النفس على أيّ وجه كان الإضطرار، وتلك الضرورة سدّ رمق أو إكراه أو حَرَج أو غير ذلك من ضربٍ وشتم لا يمكن تحمّلها عادة حال كونه غير باغٍ للّذّة، ولا عادٍ أي غير متجاوز عن حدّ الضرورة فلا إثم عليه ولا ذمّ ولا تحريم عليه). زبدة البيان في براهين أحكام القرآن، ص 800- 801.

-         قال الطبرسي في تفسير 78 من سورة الحج: (ما جعل عليكم في الدّين من حرج: أي: ضيق. فلم يكلّفكم ما لا تطيقونه ورخّص لكم عند الضرورات كالقصر والتيمّم وجعل لكم التوبة مخلّصاً من الذنوب ونحوه: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). جوامع الجامع. الطبرسي، ج2، ص 574.

-         قال القرطبي في تفسير آية 78 من سورة الحج: (وهذه الآية تدخُلُ في كثير من الأحكام وهي ممّا خصّ الله بها هذه الأمّة). الجامع لأحكام القرآن، جلد6، ج12، ص 76.

-         قال البيضاوي في تفسير آية 78 من سورة الحج: (ما جعل عليكم في الدّين من حرج: أي ضيق بتكليف ما يشتدّ القيام به عليكم. إشارة إلى أنّه لا مانع لهم منه ولا عذر لهم في تركه أو الرّخصة في إغفال بعض ما أمرهم به من حيث شقّ عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم). وقيل ذلك بأن جعل لهم من كلِّ ذنب مخرَجاً بأن رخّص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة). أنوار التنـزيل وأسرار التأويل. ج2، ص 98.

نوشتن دیدگاه


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

منارة التابعين سعيد بن جُبير بن هاشم الاسدي الوالبي الكوفي نزل مكة تابعي، وكان...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون...
القصة بين القران و الكتاب المقدس     الخلاصة وقع تشابه بين قصص القران...
التغيير الاجتماعي رؤية وتطبيقها التجلّيات القرآنيّة في حركة الإمام الحسين (عليه...
أوجه الشبه بين الثورتين، ثورة الامام الحسين (ع) وثورة الشهيد الصدر...
  چشم انداز تغییرات اجتماعی و تطبيق آنها اصطلاحات و تجليات قرآنی در نهضت امام حسین...
  المقدمة تمرّ الأمة الإسلامية بمرحلة صعبة حيث يسعى خصوم الإسلام إلى إيجاد فتنة...
  الملخص الصابئة من الأديان الشرق اوسطية القديمة، والحيّة التي يعتقد أصحابها...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون إلى...
  في هذا الزمان الذي انقلبت فيه المثل والقيم نری ونسمع من بعض الجهلة ان (الدين...