images

 

المقدمة

حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون إلى الحقيقة، يتوجب علينا الإشارة والتنبيه لأمور، أهمها:

    اللغة وضوابطها: ترتكز العقائد في الأديان على نصوص مقدسة في الدين المعين، وعادة لا يكون هناك تفسيراً موحداً لهذه النصوص المقدسة بين أتباع ذات الدين. ولكل دين أو بالأحرى لكل مذهب منهجاً خاصاً لإثبات معتقداته فمن مقدسٍ للنّص ومعتبراً إياه الحاكم المطلق والمرجع والمصدر الوحيد للمعتقدات، إلى من يعطي للعقل دوراً في الأمر، إلى غير ذلك.
    وبما أنّ بحثنا حول أمر عقائدي خاص بالديانة المسيحية وفي مصادر لها تفاسيرها المتعددة والمتفاوتة التي قد نوافقها في بعض الموارد ونختلف معها في موارد أخرى، فإننا سنحاول استقصاء النصوص مورد بحثنا لنفهمها في ضوء الظهور اللغوي والتفاسير التي يقدمها ذات النص لبعض مفاهيمه وكلماته. ولن نرجع لتفسير طائفة معينة بالمسيحية لأنا لسنا بصدد بحث صحة أو بطلان معتقد ما لأي فرقة، بل نحاول من خلال بحث مقارن أن نرى هل يمكن فهم إلوهية السيد المسيح  من خلال إنجيلي لوقا ويوحنا، كما لن يكون لمعتقدنا الخاص دخالة في البحث.
    إنّ النّص الذي نبحث فيه، مكتوب باللغة العربية وليست هي لغته الأصلية التي كتب بها، وإنّما ترجم إليها بواسطة لغتين أو ثلاث لغات على الأقل، وهذا بالطبع يُفقده بعض خصوصياته ويجعله أقل دقة في التعابير والكلمات، بلحاظ أنّ الترجمة تنقل عادة فهم المترجِم للنص وليس ذات النّص، كما أنّ اللغات تتفاوت في استخدام المجاز والكناية والاستعارة والاصطلاحات قلة وكثرة، وأنّ بعض اللغات بها كلمات وتعابير ومصطلحات لا يوجد ما يطابقها في اللغات الأخرى، ما يجعل النصّ حاصل الترجمة نصاً آخر يحاول الحكاية عن معاني النص الأصل وليس هو ذات النصّ الأصل، هذا بافتراض تبحّر المترجِم في المعرفة باللغتين المترجَم منها والمترجَم إليها، وتعمقه في معرفة النص المترجَم والتفقه في فضاءاته خصوصاً إن كان نصاً دينياً وذلك لوجود مصطلحات ومفاهيم خاصة بالنصوص الدينية لا يمكن فهمها بالمعرفة اللغوية المحضة. ونادراً ما تتوافر هذه الضوابط في المترجِمين.
    في بحثنا هذا تطالعنا كلمات وتعبيرات (إنجيلية) متعددة يمكن فهم معانيها بصور مختلفة، وبما أننا نبحث باللغة العربية وأنّ النص الذي نعتمده كمصدر مكتوب أيضاً بالعربية، وجعلنا الظهور اللغوي ملاكاً ما لم تقم القرائن القوية على إرادة خلافه، فإننا سنحاول هنا أن نتوقف عند بعض الكلمات الأساسية والتي تعتبر محورية في بحثنا بحيث أنّه لو لم تتضح لنا معانيها واستخداماتها فسوف يصعب جداً الوصول إلى نتيجة من البحث. وسنختصر في تبيين معاني هذه الكلمات بالرجوع إلى كتاب (قاموس الكتاب المقدس) وذلك لمقامه كأحد أهم المراجع المعتبرة مسيحياً - والمتوفرة لنا - في هذا الباب.

الله (إله)

اسم الإله خالق جميع الكائنات والحاكم الأعظم لجميع العوالم، والواهب كل المواهب الحسنة. والله "روح غير محدود، أزلي غير متغير في وجوده وحكمته وقدرته وقداسته وعدله وجوده وحقه" وهو يعلن لنا نفسه بطرق متنوعة وفي أحوال مختلفة متباينة فيظهر لنا في أعماله، وتدبير عنايته (رومية 1 : 20). [1]

الربّ

يقصد بهذا اللفظ:

1. اسم الجلالة، وفي هذه الحالة تطلق على الأب والابن بدون تمييز بينهما (أعمال الرسل10: 13) و (رؤيا يوحنا 19 : 16) سيما في رسائل بولس الرسول.

2. وقد تستعمل بمعنى سيد أو مولى دلالة على الاعتبار والإكرام.[2]

الأب

كلمة سامية وردت بهذا اللفظ في العبرية والفينيقية والآرامية والسريانية والسبئية والحبشية كما في العربية. وقد وردت في الكتاب المقدس بمعان كثيرة منها:

1. السلف المباشر للإنسان أي والده.

2. الجد أو الأسلاف على وجه عام.

3. أطلق هذا اللفظ رمزياً:

ألف) على الأب الروحي الذي ينفث من روحه في غيره سواءً كان تأثيره طيباً أو على النقيض من ذلك. فقد دعي إبراهيم "أبو المؤمنين" (رومية 4 : 11) كما دعي إبليس أبو الأشرار "أنتم من أب واحد وهو إبليس" (يوحنا 8 : 44).

ب) للدلالة على التشابه والتقارب والتماثل "وقلت للقبر أنت أبي" (أيوب 17: 14).

ج) وعلى مصدر الشيء كما في (أفسس 1: 17) "أبو المجد" و(أيوب 38 : 28) "هل للمطر أب".

د) وعلى الخالق كما في (يعقوب 1: 17) "أبو الأنوار".

هـ) وعلى مبتدع فن ما أو عمل ما أو مبتكر أسلوب خاص في الحياة كما ف (التكوين 4 :20) " أب ساكني الخيام ورعاة المواشي).

و) على الشخص الذي تظهر فيه خاصيات الأبوة كما في (مز 68: 5) "أبو اليتامى"

ز) على من يقوم بعمل المرشد والمشير والمهتم بأمر من الأمور كما في (التكوين 45: 8) "وهو قد جعلني أباً لفرعون" و (قض 17 : 10) "وكن لي أباً وكاهناً".

ح) على رئيس محترم مكرم كما في (الملوك الثاني 5: 13) " فتقدم إليه عبيده وكلموه وقالوا: (يا أبانا)" وأطلق بخاصة على الأنبياء كما في (الملوك الثاني 2: 12) " وكان اليشع يركض وهو يصرخ يا أبي يا أبي مركبة إسرائيل وفرسانها". كما أطلق على المتقدمين في السن والمقام (1 يوحنا 2 : 14) "أكتب إليكم أيها الآباء" وعلى المسيحيين الأولين كما في (2 بطرس 3 : 4) "من حين رقد الآباء"..

4. يعتبر الله في الديانة المسيحية أباً فيقال "أبانا الذي في السماوات" وهكذا (متى 6: 9 و14 و26) ويدعى الله "أبو ربنا يسوع المسيح" (2 كو 11: 31) وإنّ قوة العلاقة وغنى المحبة والنعمة المتضمنة في هذا التعبير العميق والخاصة بإنجيل المسيح تبدو واضحة. وقد أعلن الله في العهد القديم كأب للشعب المختار (الخروج 4 : 22) ، وللملك الذي كان الممثل الخاص للشعب (صموئيل الثاني 7: 14) وتظهر أبوته في ترأفه "كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه" (المزامير 103: 13). ولكن أبوة الله هذه أعلنت بأنها نفس جوهر الذات الإلهية وبأنها وثيقة الصلة بالإنسان، في إنجيل المسيح فقط. فإننا نستخلص من كلمات وحياة يسوع أنه دعا الله "أباً" ليس لأنه الخالق أو الحاكم أو بسبب من عهده مع إبراهيم ولكن لأنه يحبنا. وقد وردت كلمة أب تسعين مرة في إنجيل يوحنا،  وخمس مرات في مرقس، وسبعة عشرة مرة في لوقا، وخمسا وأربعين مرة في متى. وفي كل مرة من هذه المرات، ما عدا أربع ورد هذا القول على فم يسوع.

وأبوة الله تسير في اتجاهين، الاتجاه الأول: أبوته للبشر بالخلق. والثاني: أبوته للمؤمنين بالنعمة[3]. وهي تنال بالنعمة بالميلاد الثاني (يوحنا 1: 12و13) وبالتبني (رومية 8: 14و19) وفي هذه العلاقة الممتازة في القرب من الأب يعتبر المؤمنون أبناء الله بمعنى خاص بهم دون غيرهم (كولوسي 1: 13و14) وهذه العلاقة ليست بحسب الطبيعة ولكنها بالنعمة. [4]

الابن

توسع العبرانيون كثيراً في إطلاقهم لفظة ابن على القرابة، فاستعملوها تارة بمعنى الحفيد (التكوين 29 : 5) وأطلقوها تارة على القرابة البعيدة جداً (متى 22 : 42) وتستخدم أيضاً للدلالة على صفة أو خاصية ما، كابن السلام (لوقا 10: 6).[5]

ابن الله

أطلق هذا اللقب على المسيا (المزامير 2 : 7) و (يوحنا 1 : 49) وهو يدل على العلاقة القوية المكينة بين الأب السماوي والابن الأزلي.[6]

ابن الإنسان

"ابن الإنسان" عبارة وردت في (العدد 33: 19) وهي ترجمة لعبارة عبرانية ترجم إلى العربية في أماكن أخرى ب"ابن آدم"، فمثلاً في (حزقيال 2: 1) قد وردت هذه العبارة "ابن آدم" إشارة إلى النبي حزقيال في سفره سبعاً وثمانين مرة. وتشير هذه العبارة في (دانيال 7 : 13) إلى شخص يختلف عن الأربعة الحيوانات التي ورد في الجزء الأول من الإصحاح في أنه شبيه بالإنسان في المنظر. وهذا الشخص الشبيه بابن الإنسان قد أعطي سلطاناً أبدياً وملكوتاً لا ينقرض[7]. ويوجد في الأربعة الأناجيل ثمانية وسبعون مثلاً يستخدم فيها يسوع المسيح هذه العبارة "ابن الإنسان" عن نفسه. ويستخدم هذه العبارة في (مرقس 2: 28) عن نفسه وصفته كرأس للجنس البشري وممثله. ولذا فإن هذه العبارة تدل على الإنسانية الحقة، وتدل في مواضع أخرى على أنه المسيّا عندما ينبئ بمجيئه الثاني وبمجده (متى 26: 64) و (مرقس 14: 62) ودينونته لجميع البشر (متى 19 : 28). وربما استخدم المسيح هذه العبارة كثيراً لأنّ فيها دلالةً على أنه المسيّا، وهي في نفس الوقت تصلح في الإشارة إلى حياته المتواضعة على الأرض كالإنسان الكامل. ومما يستحق الملاحظة أنّ هذا التعبير "ابن الإنسان" لم يستخدم عن المسيح بعد القيامة سوى مرة واحدة (أعمال الرسل 7: 56). ويستخدم الكتاب المقدس ألقاباً أكثر تمجيداً كالرب وغيرها في الإشارة إلى المخلص بعد الصعود.[8]

المسيح أو المسيّا

مسيّا: (يوحنا 1 : 41 و 4 : 25) وهي الصيغة العربية للكلمة اليونانية "مسياس" المأخوذة من الكلمة الآرامية "مشيحا" التي تعني مسيح[9]. ويراد بالمسح من الله (كورنشوس الثانية 1 : 21) تكريس الله نفس المؤمن لخدمته، وهكذا "مسحة من القدوس" (يوحنا الأولى 2 : 20و27). ويشار إلى المسيح بالآيات الآتية: "مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أفضل من رفقائك" (المزامير 45 : 7) و"الرب مسحني لأبشر المساكين" (إشعياء 61 : 1) [10].

يسوع

"يسوع" الصيغة العربية للاسم العبري "يشوع" لشخصين في العهد الجديد ومعنى الاسم "يهوه مخلص".

1. يسوع المخلِّص: وقد تسمى يسوع حسب قول الملاك ليوسف (متى 1 : 21)، ومريم (لوقا 1 : 31). ويسوع هو اسمه الشخصي. أما المسيح فهو لقبه. وقد وردت عبارة "الرب يسوع المسيح" نحو 50 مرة في العهد الجديد. و "يسوع المسيح" أو "المسيح يسوع" نحو مائة مرة. بينما وردت كلمة "المسيح" وحدها نحو ثلاثمائة مرة. وتقترن لفظة المسيح أيضاً بالمخلص (لوقا 2 : 11). وقد وردت لفظة "يسوع" وحدها على الأكثر في الأناجيل، و "يسوع المسيح" و "الرب يسوع المسيح" في سفر الأعمال والرسائل[11].

الكلمة

استعمل (يوحنا 1 : 1-14) و (رسالة يوحنا الأولى 1 : 1) و (رؤيا يوحنا 19 : 13) هذه اللفظة (بصيغة المذكر) للدلالة على السيد يسوع المسيح، فإنّه الله الذي ظهر متكلماً معلناً نفسه. وقد استعمل الفيلسوف "فيلو" لفظة الكلمة (لوغوس) غير أنّه قصد بها وسيطاً بين الله والعالم[12].

الروح القدس

هو روح الله، الأقنوم الثالث في الثالوث. وقد ذكر هذا التعبير في العهد القديم ثلاث مرات فقط (المزامير 51 : 11. و إشعياء 63 : 10و11) . لكنه يتضمن إشارات عديدة لعمله. أما في العهد الجديد فقد ذكره مراراً.

وقد سمي روحاً لأنه مبدع الحياة، ويدعى روح الله وروح المسيح.

ويعلمنا الكتاب المقدس بكل وضوح عن ذاتية الروح القدس وعن إلوهيته، إذ نسب إليه أسماء الله الحي، وصفاته، وأعماله، وعبادته[13].

وإذ حبلت السيدة العذراء حبل بالمسيح فيها من الروح القدس (متى 1 : 18-20). ولما كتب الآباء والأنبياء والرسل أسفار الكتاب المقدس كانوا مسوقين من الروح القدس الذي أرشدهم فيما كتبوا وعضدهم وحفظهم من الخطأ وفتح بصائرهم في بعض الحالات ليكتبوا عن أمور مستقبلة (رسالة بطرس الثانية 1: 21) و ( تيموثاوس الثانية 3 : 16)[14].

طريقة الإرجاع إلى الكتاب المقدس (الإنجيل) في بحثنا هذا

(لوقا:1/3) وتقرأ: إنجيل لوقا، الإصحاح الأول، الآية الثالثة.

(يوحنا:21/8-11) وتقرأ: إنجيل يوحنا، الإصحاح الحادي والعشرون، الآيات من الثامنة إلى الحادية عشرة.

(لوقا:17/1و4) وتقرأ: إنجيل لوقا، الإصحاح السابع عشر، الآيات الأولى والرابعة.

إلوهية السيد المسيح في إنجيل لوقا

المحور الأول: آيات إنجيل لوقا الدالة على إنسانية السيد المسيح :

    §          طريقة الحمل به وولادته وطفولته ونشأته

*و في الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة * إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف و اسم العذراء مريم * فدخل إليها الملاك و قال سلام لك أيتها المنعم عليها الرب معك مباركة أنت في النساء * فلما رأته اضطربت من كلامه و فكرت ما عسى أن تكون هذه التحية * فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله * و ها أنت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع (لوقا:1/26-31)

* ثَمَرَةُ بَطْنِكِ (لوقا:1/42)

* و بينما هما هناك تمت أيامها لتلد * فولدت ابنها البكر و قمطته و أضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل (لوقا:2/6-7)

* و كان الصبي ينمو و يتقوى بالروح ممتلئا حكمة و كانت نعمة الله عليه (لوقا:2/40)

* و بعدما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم و يوسف و أمه لم يعلما (لوقا:2/43)

    §          نشأة السيد المسيح  وشبابه وتلقيه الوحي:

* و لما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضاً و إذ كان يصلي انفتحت السماء * و نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة و كان صوت من السماء قائلا أنت ابني الحبيب بك سررت (لوقا:3/21-22)

* أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئا من الروح القدس و كان يقتاد بالروح في البرية

* أربعين يوما يجرب من إبليس و لم يأكل شيئا في تلك الأيام و لما تمت جاع أخيرا (لوقا:4/1-2)

    §          عبادة السيد المسيح  وصلواته ودعائه وخشوعه في حضرة الحق تبارك وتعالى:

* و أما هو فكان يعتزل في البراري و يصلي (لوقا:5/16)

* و في تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي و قضى الليل كله في الصلاة لله (لوقا:6/12)

* و بعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام اخذ بطرس و يوحنا و يعقوب و صعد إلى جبل ليصلي

* و فيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة و لباسه مبيضا لامعا (لوقا:9/28-29)

* و إذ كان يصلي في موضع لما فرغ قال واحد من تلاميذه يا رب علمنا أن نصلي كما علم يوحنا أيضاً تلاميذه * فقال لهم متى صليتم فقولوا أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض * خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم * و اغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا و لا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير (لوقا:11/1-4)

* و أنفصل عنهم نحو رمية حجر و جثا على ركبتيه و صلى * قائلا يا أبتاه أن شئت أن تجيز عني هذه الكأس و لكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك * و ظهر له ملاك من السماء يقويه * و إذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة و صار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض (لوقا:22/41-44).

    §          شهادة من حوله بإنسانيته :

* فاخذ الجميع خوف و مجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم و افتقد الله شعبه(لوقا:7/16).

* و كان الشعب واقفين ينظرون و الرؤساء أيضاً معهم يسخرون به قائلين خلص آخرين فليخلص نفسه أن كان هو المسيح مختار الله (لوقا:23/35).

* فقال لهما و ما هي فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل و القول أمام الله و جميع الشعب (لوقا:24/19).

* فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة و العظماء و الشعب * و قال لهم قد قدمتم إلي هذا الإنسان كمن يفسد الشعب و ها أنا قد فحصت قدامكم و لم أجد في هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه (لوقا:23/13-14).

* فلما رأى قائد المائة ما كان مجد الله قائلا بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا (لوقا:23/47).

* فقال لهما و ما هي فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل و القول أمام الله و جميع الشعب (لوقا:24/19).

    §          وفاة السيد المسيح  التي تنسجم مع إنسانيته لا إلوهيته:

* ونادى يسوع بصوت عظيم و قال يا أبتاه في يديك استودع روحي و لما قال هذا اسلم الروح (لوقا:23/46).

* و اخذ الإثني عشر و قال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم و سيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان * لأنه يسلم إلى الأمم و يستهزأ به و يشتم و يتفل عليه * و يجلدونه و يقتلونه و في اليوم الثالث يقوم (لوقا:18/31-33).

    مناقشة ما ورد بهذا المحور

نرى في هذه الآيات توضيحاً لكيفية الحمل بالسيد المسيح  و ولادته وطفولته، ويظهر جلياً من هنا إنسانيته وعدم إلوهيته كما توضح الآيات خصوصية علو مقامه  عند الله تعالى والعناية الإلهية التي شملته. ونرى في هذه الآيات ثنائية واضحة بينه  كعبد منعَم عليه وبين الله تعالى كإله وخالق منعِم. فهو ثمرة بطن مريم وابن داوود، ووضعته أمه وقمطته وختنته وباركته في المعبد، كما كان يحصل لكل مواليد بني إسرائيل آنذاك. ثم حين ينزل عليه الروح القدس كحمامة وكما إخوته من الرسل (صلوات الله عليهم أجمعين) حين يبعث الله تعالى الروح إليهم كي يعلمهم بما يتوجب عليهم القيام به، من دون أن يكون نزول ذلك عليهم مدعاة للقول بإلوهيتهم.

فهو  المداوم على العبادة المجتهد فيها والمتوسل دائما لربه تعالى بأن يأخذ بيده وأن يلهمه الصبر والذي لا يفتأ يعلم أتباعه بأن يعبدوا الله وحده أبيهم وأبيه هو . والناس من حوله من مخالف وموالف يصرحون بإنسانيته، فطلابه يسمونه النبي الإنسان العظيم الذي أرسله الله متفقداً شعبه، ومخالفوه يسمونه إنساناً مجدفاً. ومن ثم يأخذونه أسيراً (سلام الله تعالى عليه) ويهينونه بالشتم والضرب ويتم استجوابه وبعدها يقررون صلبه، وكما يقول الإنجيل يتم صلبه مع شخصين آخرين ويأتي شخص لينزله من على الصليب ويكفنه ويدفنه في القبر. وهذه الأحداث بفرض تحققها كاملة تشير بوضوح إلى الطبيعة الإنسانية الطاغية، لا بل التامة للسيد المسيح . أما القيام من بعد الموت بفرض تحققه فلا يمكن أن يفهم منه إلوهية القائم من الموت، خصوصاً إن كان القائم هو السيد المسيح  الذي تكرر منه إحياء الموتى مسنداً ذلك بحسب الإنجيل إلى إلهه الذي لا يعجزه شيء والذي لا يصدر السيد المسيح  إلا طبق أمره ونهيه ولذا فالأب الذي في السماء يحبه.

المحور الثاني: كلام السيد المسيح  عن نفسه وإلهه ورسالته التي تبين إنسانيته:

    §          كلامه  عن نفسه وتسمياته لها:
    o            المسيح:

* و قال لهم هكذا هو مكتوب و هكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم و يقوم من الأموات في اليوم الثالث (لوقا:24/46).

    o           ابن الإنسان:

أطلق هذا الاسم على السيد المسيح  في لوقا 21 مرة، نماذجه:

* جاء ابن الإنسان يأكل و يشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول و شريب خمر محب للعشارين و الخطاة(لوقا:7/34)

* و أقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله * و من أنكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله * و كل من قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له و أما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له (لوقا:12/8-10)

* و ابن الإنسان ماض كما هو محتوم و لكن ويل لذلك الإنسان الذي يسلمه (لوقا:22/22)

    o           الابن:

* و التفت إلى تلاميذه و قال كل شيء قد دفع إلي من أبي و ليس احد يعرف من هو الابن إلا الأب و لا من هو الأب إلا الابن و من أراد الابن أن يعلن له (لوقا:10/22)

* و نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة و كان صوت من السماء قائلا أنت ابني الحبيب بك سررت (لوقا:3/21-22)

    o           الآتي باسم الرب:

* هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا و الحق أقول لكم أنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب (لوقا:13/35)

* و لما قرب عند منحدر جبل الزيتون ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون و يسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات الذين نظروا * قائلين مبارك الملك الآتي باسم الرب سلام في السماء و مجد في الأعالي (لوقا:19/37-38)

    o           المعلم:

* و قولا لرب البيت يقول لك المعلم أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي (لوقا:22/11)

* و قال له واحد من الجمع يا معلم قل لأخي أن يقاسمني الميراث * فقال له يا إنسان من أقامني عليكما قاضيا أو مقسما (لوقا:12/13-14).

* و أما بعض الفريسيين من الجمع فقالوا له يا معلم أنتهر تلاميذك (لوقا:19/39)

    o           النبي المرسل من الإله رب السموات والأرض وأنه مثل الأنبياء السابقين:

* فقال لهم أنه ينبغي لي أن ابشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت (لوقا:4/43).

* بل ينبغي أن أسير اليوم و غدا و ما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارج عن أورشليم (لوقا:13/33).

    o           مناقشة دلالة الأسماء المذكورة

نحن نجد اجتهاداً كبيراً من السيد المسيح  لإثبات إنسانيته من خلال التسميات المتعددة التي يطلقها على نفسه مما لا ينسجم مع القول بإلوهيته، وفي اعتقادي أنه  إنما أكد على ذلك لإزالة أي شبهة تنشأ عن طريقة ولادته الخاصة وغير المسبوقة. فمرة نراه يدعو نفسه  ابناً في مقابل ربه الذي يدعوه أباً، ومرة يدعوها ابن الإنسان ومرة يدعو نفسه نبياً ورسولاً ومرة معلماً ومرة الآتي باسم الرب ومرة المسيح الاسم واضح الدلالة على انه مفعول لا فاعل إذ هذا الاسم لا يمكن أن يشير إلى الله لأن فعل المسح أو التدهين الذي نشأ منه اسم المسيح يعني وقوع الفعل في أو على المفعول به وهذا بلا شك لا ينسجم وهو المفعول مع الله الخالق الذي هو الفاعل، أما الأسماء الإلهية التي تجيء بصيغة المفعول كالمعبود فهي تنم علی أن العباد يعملون عملاً يقصدون به الله فيكون معبوداً بمعنى من يستحق العبادة لا من جرت فيه أو عليه العبادة، ومثله كثير كالمدعو والمرجو والمسئول فتأمل.

    §          كلام السيد المسيح  عن ربه وإلهه:

* فقال لهما لماذا كنتما تطلبانني الم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي (لوقا:2/49).

* و قال له إبليس لك أعطي هذا السلطان كله و مجدهن لأنه إلي قد دفع و أنا أعطيه لمن أريد * فأن سجدت أمامي يكون لك الجميع * فأجابه يسوع و قال اذهب يا شيطان أنه مكتوب للرب إلهك تسجد و إياه وحده تعبد (لوقا:4/6-8)

* و في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح و قال أحمدك أيها الأب رب السماء و الأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء و أعلنتها للأطفال نعم أيها الأب لأن هكذا صارت المسرة أمامك (لوقا:10/21)

* و سأله رئيس قائلا أيها المعلم الصالح ماذا اعمل لأرث الحياة الأبدية * فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحا ليس احد صالحا إلا واحد و هو الله (لوقا:18/18-19)

* فقال غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله (لوقا:18/27)

* و أما أن الموتى يقومون فقد دل عليه موسى أيضاً في أمر العليقة كما يقول الرب اله إبراهيم و اله اسحق و اله يعقوب * و ليس هو اله أموات بل اله أحياء لأن الجميع عنده أحياء (لوقا:20/37-38).

    مناقشة: المعاني التوحيدية العليا في كلام السيد المسيح  عن الله تعالى

يعتقد السيد المسيح  بأنّ السجود لا يكون إلا لله تعالى كما قال ذلك للشيطان لما اعترض سبيله، وينفي عن نفسه الصلاح معللاً ذلك بأن لا صالح إلا الله، ويتضح من التعليل أن قصده هو أنه لا يوجد صالح بمعزل عن الصالح المستقل الذي هو الله أصل الصلاح، وهذا يفهم من خلال كلماته  التي يبين فيها ارتباطه القوي بأبيه إلهه.

كما يعلن السيد المسيح  عن أنّ الله هو القادر المطلق الذي لا يعجزه ما يعجز عن فعله الناس، وأنه سبحانه هو إله إبراهيم  و إسحاق  و يعقوب  و موسى  الذي أرسلهم، وأنه رب الأحياء لا رب الأموات بمعنى أنه يهتم بالأحياء وهم الذين استجابوا لدعاته وآمنوا بكلماته ويعتبرهم أحياءً سواء كانوا في الدنيا أم ذهبوا إليه، ولا يعتبر الكافرين أحياءً ونظير هذا تتبناه أديان سماوية أخرى كالإسلام.

و هنا نرى المعاني التوحيدية في أبعاد التوحيد في الخالقية والعبادة والربوبية، وأن الله سبحانه هو مصدر كل الجمال والحسن، كما نرى توحيد الله بأنه القهار المقتدر. وهذا ينفي ما يمكن أن يتوهمه متوهم عن إلوهية السيد المسيح الذي يظهر نفسه مظهر العاجز أمام الله تعالى وأنه المفتقد للصلاح بنفسه المفتقر إلى ربه لذلك وغيره.

    §          كلام السيد المسيح  عن رسالته ومحتواها (ملكوت الله):

* فقال ماذا يشبه ملكوت الله و بماذا أشبهه * يشبه حبة خردل أخذها إنسان و ألقاها في بستانه فنمت و صارت شجرة كبيرة و تآوت طيور السماء في أغصانها * و قال أيضاً بماذا أشبه ملكوت الله * يشبه خميرة أخذتها امرأة و خبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع لوقا:13/18-21).

* و رفع عينيه إلى تلاميذه و قال طوبی لكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت الله (لوقا:6/20).

* و اشفوا المرضى الذين فيها و قولوا لهم قد اقترب منكم ملكوت الله (لوقا:10/9).

* فقال لهم متى صليتم فقولوا أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض * خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم * و اغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير (لوقا:11/2-4).

* أما هو فقال بل طوبى للذين يسمعون كلام الله و يحفظونه (لوقا:11/28).

* هكذا أقول لكم يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب (لوقا:15/10).

* بل أحبوا أعداءكم و أحسنوا و اقرضوا و أنتم لا ترجون شيئا فيكون أجركم عظيما و تكونوا بني العلي فأنه منعم على غير الشاكرين و الأشرار * فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم(لوقا:6/35-36).

    مناقشة دلالة ما مر

يدعو السيد المسيح  أتباعه أن يكونوا رحماء ليحبهم أبيهم ويقبلهم بعنوان أبناء العلي، وهذا يفسر لنا ما سيأتي من تسمية السيد المسيح  بابن العلي فقد قال لأتباعه أحبوا أعداءكم وأحسنوا وأقرضوا دون أن ترجو مقابلاً فيعظم أجركم وتكونوا بني العلي. إذن فالتسمية بابن العلي ليس فيها دلالة على البنوة الجسمانية وقد مر أن الكتاب المقدس استخدم هذا التعبير بمعان منها بل أهمها المعنى المجازي الذي يفيد البنوة أو الأبوة المعنوية والعناية والرعاية. وبذلك يبطل أي ادعاء بإلوهية السيد المسيح  بالارتكاز على بنوته للعلي وما شابه. ويبشِّر من يسمع كلام الله تعالى ويحفظه، بملكوت الله وطوبى. ومعلوم أنه ينسب كل كلماته إلى الله تعالى فتكون دعوته  تفيد أنه رسول ونبي لا إله، إذ يعلّم الناس كيف يطلبون من الله المغفرة وما هي الوسائل التي يتخذونها للوصول إلى ذلك. ويخبرهم بأن الله يتقبل التائبين وأن الملائكة تفرح بتوبة خاطئ واحد. وفي إجمال هذا ما يؤكد إنسانية السيد المسيح  و عمق ارتباطه بربه وسعيه الدءوب والمشفق لهداية الناس وتقريبهم من الله تعالى وهذا هو دور الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم.

¯     المحور الثالث : نماذج النصوص والمواقف التي يفهم منها إلوهية السيد المسيح  في لوقا

    كلمات للسيد المسيح  تم فهم إلوهيته منها:

* فقال لهما لماذا كنتما تطلبانني الم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي (لوقا:2/49).

* و قال لهم أن ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً (لوقا:6/5).

* و أن سألكما احد لماذا تحلانه فقولا له هكذا أن الرب محتاج إليه (لوقا:19/31).

* و قال لهم كيف يقولون أن المسيح ابن داود * و داود نفسه يقول في كتاب المزامير قال الرب لربي اجلس عن يميني * حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك * فإذا داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه (لوقا:20/41-44).

    كلمات لآخرين تشي بإلوهية

* فأجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله (لوقا:1/35).

* أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب (لوقا:2/11).

* فلما رأى سمعان بطرس ذلك خر عند ركبتي يسوع قائلا اخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ (لوقا:5/8).

* فلما رأى يسوع صرخ و خر له و قال بصوت عظيم ما لي و لك يا يسوع ابن الله العلي اطلب منك أن لا تعذبني (لوقا:8/28).

تأملات ونظرات في مؤيدات الإلوهية

واضح أن المستندين على مثل هذه الآيات لإثبات إلوهية السيد المسيح  ، إنما اعتمدوا على دلالة بعض الكلمات الواردة في بعض الآيات ك "ابن الله، الرب، ابن العلي، المسيح الرب.."

وقد أوردنا في مقدمة هذا البحث ما يتعلق باستخدام هذه الكلمات في الكتاب المقدس والمعاني التي تستفاد منها. وهنا نقرأ في دلالات ابن الله لنرى هل تفيد إلوهية المسيح  أم تثبت إنسانيته.

إنّ البنوة إما أن تكون طبيعية أو روحية معنوية، فعلى فرض ثبوت الثانية يبطل القول بالإلوهية وعلى فرض ثبوت الأولى يمكن القبول تسامحاً بنسبة الإلوهية.

يقول السيد المسيح  أن الله روح وأن من يأتي من الروح يفهم ويعرف الروح وأن من لا يكون سماوياً لا يمكنه أن يعرف الأب الذي في السماء، ثم يدعو الناس جميعاً لأن يكونوا سماويين وأبناءً لله. فكيف يمكن أن يكونوا أبناء الله وقد ولدوا؟! وبحسب سائله ألسنا أبناء الله! فيجيبه السيد المسيح  نعم أنتم من ذرية إبراهيم لكنكم تعملون عمل الشيطان فأنتم أبناء الشيطان. وهنا يتضح بأن البنوة المقصودة لله تعالى غير الذرية والنسل إذ فصل بينهما قائلاً أنتم من ذرية إبراهيم لكنكم أبناء الشيطان، والبنوة هنا معنوية روحية لا غير. ثم إنّ البنوة التي تعني النسل ليست هي مما يستطيع الإنسان تغييره، لأن الإنسان لا يولد إلا ويكون قد تحدد سلفاً أباه الذي نسله، فكيف يطلب السيد المسيح  من الناس أن يكونوا أبناء الله تعالى إن كان يعني بنوة الدم؟؟!!.

يثبت هنا أن البنوة التي يعنيها السيد المسيح  هي البنوة المعنوية، لكن بنوة السيد المسيح نفسه الموصوفة بأنه الابن الوحيد للأب ماذا تعني؟

إن قول السيد المسيح  بأن الله روح، وقوله عن نفسه أنه إنسان، ومع أخذنا في الاعتبار كون الإنسان ليس مجرداً وإنما فيه بعد مادي، ومقتضى السنخية يلزم بكون ابن الروح روحاً لا متلبساً بالمادة. وإن ذكروا أن المادة التي فيه بسبب ولادته من أم وهي إنسان، نقول بأن المجرد لا يمكنه أن يجتمع مع كائن مادي لينتج كائناً آخر يحمل مواصفات الطرفين، وفي حالة الإنسان وخصوصاً السيد المسيح  الذي حملت به السيدة العذراء  وأنجبته إنساناً، إن ادعوا أن الله كان أباً كرجل أنجبه من أمه فهذا مخالف للعقل والنقل، وإن قالوا أن قدرة الله اقتضت أن يولد هكذا من غير أب، فهذا لا يثبت بنوته  لله تعالى وهو ما نقوله وهو المعنوي. وقد اقتضت حكمة الله أن يأتي آدم  من غير أب ولا أم فهو أولى بأن يكون ابناً لله لكن أحداً لم يقل بهذا. واقتضت حكمة الله وقدرته أن يأتي الناس من تزاوج بين رجل وامرأة كما اقتضت أن يأتي إنسان من أم بلا أب وأن يأتي إنسان بلا أبوين، فلا ميزة لأحد منهم على الآخر لأن مشيئة الله تعالى هي التي تعلقت بكيفية مجيئه وكلهم عيال الله وأبناؤه.

إلوهية السيد المسيح  في إنجيل يوحنا

المحور الأول: آيات إنجيل يوحنا الدالة على إنسانية السيد المسيح :

    §          معنى البنوة لله تعالى عند السيد المسيح :

* أجابهم يسوع الحق الحق أقول لكم أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية * و العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد أما الابن فيبقى إلى الأبد * فأن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا * أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم * أنا أتكلم بما رأيت عند أبي و أنتم تعملون ما رأيتم عند أبيكم * أجابوا و قالوا له أبونا هو إبراهيم قال لهم يسوع لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم * و لكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني و أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله هذا لم يعمله إبراهيم * أنتم تعملون أعمال أبيكم فقالوا له أننا لم نولد من زنا لنا أب واحد و هو الله * فقال لهم يسوع لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني * لماذا لا تفهمون كلامي لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي * أنتم من أب هو إبليس و شهوات أبيكم تريدون أن تعملوا ذاك كان قتالا للناس من البدء و لم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب و أبو الكذاب * و أما أنا فلأني أقول الحق لستم تؤمنون بي * من منكم يبكتني على خطية فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي * الذي من الله يسمع كلام الله لذلك أنتم لستم تسمعون لأنكم لستم من الله (يوحنا:8/34-47)

* هذا جاء إلى يسوع ليلا و قال له يا معلم نعلم أنك قد أتيت من الله معلما لأن ليس احد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل أن لم يكن الله معه * أجاب يسوع و قال له الحق الحق أقول لك أن كان احد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله * قال له نيقوديموس كيف يمكن الإنسان أن يولد و هو شيخ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية و يولد * أجاب يسوع الحق الحق أقول لك أن كان احد لا يولد من الماء و الروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله * المولود من الجسد جسد هو و المولود من الروح هو روح (يوحنا:3/1-6).

* كان في العالم و كون العالم به و لم يعرفه العالم * إلى خاصته جاء و خاصته لم تقبله * و أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه * الذين ولدوا ليس من دم و لا من مشيئة جسد و لا من مشيئة رجل بل من الله (يوحنا:1/10-13).

    §          تلقي السيد المسيح  الوحي:

* و في الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه فقال هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم * هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي (يوحنا:1/29-30).

* و شهد يوحنا قائلا أني قد رأيت الروح نازلا مثل حمامة من السماء فاستقر عليه * و أنا لم أكن اعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلا و مستقرا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس (يوحنا:1/32-33).

* أجابهم يوحنا قائلا أنا اعمد بماء و لكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه * هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي الذي لست بمستحق أن احل سيور حذائه (يوحنا:1/26-27).

* فجاءوا إلى يوحنا و قالوا له يا معلم هو ذا الذي كان معك في عبر الأردن الذي أنت قد شهدت له هو يعمد و الجميع يأتون إليه * أجاب يوحنا و قال لا يقدر إنسان أن يأخذ شيئا أن لم يكن قد أعطي من السماء * أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح بل أني مرسل أمامه (يوحنا:3/26-28).

    §          مستحق العبادة والسجود لدى السيد المسيح :

* قال لها يسوع يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل و لا في أورشليم تسجدون للأب * أنتم تسجدون لما لستم تعلمون أما نحن فنسجد لما نعلم لأن الخلاص هو من اليهود * و لكن تأتي ساعة و هي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للأب بالروح و الحق لأن الأب طالب مثل هؤلاء الساجدين له * الله روح و الذين يسجدون له فبالروح و الحق ينبغي أن يسجدوا (يوحنا:4/21-26)

    §          شهادة من حوله بإنسانيته :

* فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا أن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم (يوحنا:6/14)

* أنتم تدعونني معلما و سيدا و حسنا تقولون لأني أنا كذلك (يوحنا:13/13)

* فقال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت * آخرون قالوا كيف يقدر إنسان  خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات (يوحنا:9/16-17).

* فخرج يسوع خارجاً وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان، فقال لهم بيلاطس هو ذا الإنسان (يوحنا:19/5).

    §          وفاة السيد المسيح  التي تنسجم مع إنسانيته لا إلوهيته:

* ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع وأوثقوه ومضوا به إلى حنان (يوحنا:18/12).

* وكان قيافا هو الذي أشار على اليهود أنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب (يوحنا:18/14).

* فأخذوا يسوع ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة * حيث صلبوه وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط (يوحنا:19/17-18).

    o           مناقشة ما ورد بهذا المحور

يوضح السيد المسيح بنفسه أن المدار في البنوة هو العمل بتوجيهات ومشيئة الأب، فرد على من قالوا له أننا من أبناء إبراهيم وقال لهم إن كنتم أبناءه فلماذا لا تعملون بعمله، بل أنتم أبناء الشيطان لأنكم تريدون عمل شهوات أبيكم فهو يقتل وأنتم تريدون قتلي، الشيطان كذاب وهو أب الكذابين.

هنا تتجلى إنسانيته  من خلال معاناته مع الناس ولو كان إلهاً لما تعرض للمعاناة فمن هو مقطوع لدى الجميع بإلوهيته لم ينسب إليه أنه عانى وعذب من الناس، فدل ذلك على التباين بين الأب والابن تبايناً تاماً.

يحدد السيد المسيح  ملاك البنوة والأبوة بتعبير آخر هو المشيئة، فيقول إن أبناء الله هم الذين جاؤوا بمشيئة الله لا بمشيئة رجل ولا جسد، وهنا هو لا ينفي الولادة من الجسد وإنما ينفي عنه القدرة والمشيئة على نحو الاستقلال عن الله ويعتبر أن المشيئة النافذة هي مشيئة الله تعالى.

إنسانية السيد المسيح  هي معتقد من كان حوله إذ يثني عليهم لتسميتهم إياه معلماً، وهي تنسجم مع أحداث الأسبوع الأخير، حيث الاعتقال والسجن والمحاكمة والصلب على ما حكى إنجيل يوحنا. أما مدعى القيام فقد تمت مناقشته في الفصل الأوّل.    

المحور الثاني: كلام السيد المسيح  عن نفسه وإلهه ورسالته التي تبين إنسانيته:

    §          كلامه  عن نفسه وتسمياته لها:
    o            يسوع المسيح:

* وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته (يوحنا:17/3).

* قالت له المرأة أنا اعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء * قال لها يسوع أنا الذي أكلمك هو (يوحنا:4/25-26)

    o           الإنسان:

* أنا إنسان قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ (يوحنا:8/40).

    o           ابن الإنسان:

أطلق السيد المسيح  هذا الاسم على نفسه في يوحنا 10 مرات، من نماذجه:

* فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان و تمجد الله فيه (يوحنا:13/31).

* و أعطاه سلطانا أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان (يوحنا:5/27).

* فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم (يوحنا:6/53).

* و قال له الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة و ملائكة الله يصعدون و ينزلون على ابن الإنسان (يوحنا:1/51).

    o           الراعي الصالح:

* أنا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف (يوحنا:10/11).

* أما أنا فأني الراعي الصالح و اعرف خاصتي و خاصتي تعرفني (يوحنا:10/14).

    o           الابن:

* فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لكم لاَ يَقْدِرُ الاِبْنُ أن يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الأبَ يَعْمَلُ. لأن مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ * لأن الأبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أنتُمْ (يوحنا:5/19-20).

    o           الآتي باسم الأب:

* أنا أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني، إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه (يوحنا:5/43).

    o           المعلم:

* قال لها يسوع يا مريم فالتفتت تلك و قالت له ربوني الذي تفسيره يا معلم (يوحنا:20/16).

* كان إنسان من الفريسيين اسمه نيقوديموس رئيس لليهود * هذا جاء إلى يسوع ليلا و قال له يا معلم نعلم أنك قد أتيت من الله معلما لأن ليس احد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل أن لم يكن الله معه (يوحنا:3/1-2).

    o           النبي المرسل من الإله رب السموات والأرض وأنه مثل الأنبياء السابقين:

* قال لهم يسوع طعامي أن اعمل مشيئة الذي أرسلني و اتمم عمله (يوحنا:4/34).

* وبعد اليومين خرج من هناك ومضى إلى الجليل * لأن يسوع نفسه شهد أن ليس لنبي كرامة في وطنه (يوحنا:4/43-44).

* الحق الحق أقول لكم أنه ليس عبد أعظم من سيده و لا رسول أعظم من مرسله (يوحنا:13/16)

    مناقشة دلالة الأسماء المذكورة

إن التأكيد المتكرر والمقصود من السيد المسيح  على إنسانيته من خلال دلالة الأسماء التي أطلقها على نفسه ك " المسيح، الإنسان، ابن الإنسان، الراعي الصالح، الابن، الآتي باسم الأب، المعلم والنبي المرسل من الله" وغير ذلك مما ذخرت به الأناجيل، يعطينا صورة كاملة لمساعيه الكبيرة  للحؤول دون الاعتقاد بإلوهيته، وقد نجح  في تثبيت إنسانيته من خلال تسمية نفسه بهذه الأسماء التي لا تحتمل تأويلاً بالإلوهية فضلاً عن التفسير بذلك.

يجدر الإشارة إلى أن الأنبياء في الأديان الإبراهيمية جميعهم لم يؤكدوا بهذا الشكل المكرر على إنسانيتهم ونفي الإلوهية عن أنفسهم، وذلك لبداهة الأمر وعدم الشبهة أما في حالة السيد المسيح  فالداعي لذلك خصوصية ولادته ، فتنبه.    

    §          كلام السيد المسيح  عن ربه وإلهه سبحانه، ونوع العلاقة بينهما:

* كما أرسلني الأب الحي و أنا حي بالأب (يوحنا:6/57).

* أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل و لا يقدر احد أن يخطف من يد أبي (يوحنا:10/29).

* قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم اصعد بعد إلى أبي و لكن اذهبي إلى إخوتي و قولي لهم أني اصعد إلى أبي و أبيكم و الهي و إلهكم (يوحنا:20/16-18)
 * فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن و أنا اعمل * فمن اجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضاً أن الله أبوه معادلا نفسه بالله * فأجاب يسوع و قال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الأب يعمل لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك * لأن الأب يحب الابن و يريه جميع ما هو يعمله و سيريه أعمالا أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم * لأنه كما أن الأب يقيم الأموات و يحيي كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء * لأن الأب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن * لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الأب من لا يكرم الابن لا يكرم الأب الذي أرسله * الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي و يؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية و لا يأتي إلى دينونة بل قد أنتقل من الموت إلى الحياة * الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة و هي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله و السامعون يحيون * لأنه كما أن الأب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته * و أعطاه سلطانا أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان * لا تتعجبوا من هذا فأنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته * فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة و الذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة * أنا لا اقدر أن افعل من نفسي شيئا كما اسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا اطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني * أن كنت اشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا * الذي يشهد لي هو آخر و أنا اعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حق * أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق * و أنا لا اقبل شهادة من إنسان و لكني أقول هذا لتخلصوا أنتم * كان هو السراج الموقد المنير و أنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة * و أما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا لأن الأعمال التي أعطاني الأب لأكملها هذه الأعمال بعينها التي أنا اعملها هي تشهد لي أن الأب قد أرسلني * و الأب نفسه الذي أرسلني يشهد لي لم تسمعوا صوته قط و لا أبصرتم هيئته * و ليست لكم كلمته ثابتة فيكم لأن الذي أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به * فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية و هي التي تشهد لي * و لا تريدون أن تأتوا إلي لتكون لكم حياة * مجدا من الناس لست اقبل * و لكني قد عرفتكم أن ليست لكم محبة الله في أنفسكم * أنا قد أتيت باسم أبي و لستم تقبلونني أن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه * كيف تقدرون أن تؤمنوا و أنتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض و المجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه * لا تظنوا أني أشكوكم إلى الأب يوجد الذي يشكوكم و هو موسى الذي عليه رجاؤكم * لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني (يوحنا: 5/17-46).

    مناقشة: المعاني التوحيدية العليا في كلام السيد المسيح  عن الله تعالى

إن السيد المسيح  قد أبرز معالم التوحيد جميعها بما لا مزيد عليه من خلال النص أعلاه والذي لا يحتاج تعقيباً ولا توضيحاً، لكني سأستعرض بعضاً من الجوانب التوحيدية في ضوء كلماته  أعلاه؛ التوحيد الربوبي، التوحيد الذاتي، التوحيد في الخالقية، التوحيد في التشريع، التوحيد الأفعالي والتوحيد الصفاتي.

تكفي قراءة هذه الآيات لتبطل أي شبهة تفيد إلوهية المسيح  وأبرزت بعده الإنساني، ولجوئه إلى بارئه ودعوته إليه. كما تتبدى من هذه الآيات إشارات متعلقة بعلم النفس الاجتماعي وإخبارات عن قادم الأيام وغير ذلك، وقد ركزت جميعها على إنسانية السيد المسيح  .

    §          كلام السيد المسيح  عن رسالته ومحتواها (ملكوت الله):

* لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني * و هذه مشيئة الأب الذي أرسلني أن كل ما أعطاني لا اتلف منه شيئا بل أقيمه في اليوم الأخير * لأن هذه مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن و يؤمن به تكون له حياة أبدية و أنا أقيمه في اليوم الأخير (يوحنا:6/38-40).

* اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الأب قد ختمه * فقالوا له ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله * أجاب يسوع و قال لهم هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله (يوحنا:6/27-29).

* أجابهم يسوع و قال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني * إن شاء احد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله ام أتكلم أنا من نفسي * من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه و أما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق و ليس فيه ظلم (يوحنا:7/16-18).

* و الذي أرسلني هو معي و لم يتركني الأب وحدي لأني في كل حين افعل ما يرضيه (يوحنا:8/29).

المحور الثالث: نماذج الآيات التي يفهم منها إلوهية السيد المسيح  في إنجيل يوحنا

    كلمات للسيد المسيح  تم فهم إلوهيته منها

* أنا و الأب واحد (يوحنا:10/30).

* أني أنا فِي الأبِ وَالأبَ فِيَّ000 صَدِّقُونِي أني فِي الأبِ وَالأبَ فِيَّ (يوحنا:14/10-11)

* لأن مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ اللَّه الأب فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ (يوحنا:5/19).

* خُبْزَ اللَّهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ (يوحنا:6/33).

* أنتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أما أنا فَمِنْ فَوْقُ. أنتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ أما أنا فَلَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ (يوحنا:8/23).

* قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (يوحنا:8/58).

* فالذي قدسه الأب و أرسله إلى العالم أتقولون له أنك تجدف لأني قلت أني ابن الله (يوحنا:10/35).

    كلمات لآخرين تشي بإلوهية

* فِي الْبَدْءِ كان الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كان عِنْدَ اللَّهِ وَكان الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كان فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كان وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كان * 000 * وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الأبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً (يوحنا1/1-4و14).

* هو ابن الله الوحيد الجنس الذي في حضن الأب ومن ذات الأب (يوحنا:1/18).

* و أنا قد رأيت و شهدت أن هذا هو ابن الله (يوحنا:1/34).

* أجاب توما و قال له ربي و الهي * قال له يسوع لأنك رأيتني يا توما آمنت طوبى للذين امنوا و لم يروا (يوحنا:20/28-29)

تأملات ونظرات في مؤيدات الإلوهية

بالتأمل في هذه الآيات وما يشبهها نجد فيها مشتركاً عاماً هو دلالات بعض المفردات ذات المعاني المتعددة

على الإلوهية، وفهمها بهذا الشكل مما لا يؤيده منطق ولا روح ولا آيات إنجيل يوحنا الذي صرح فيه السيد المسيح  بأنه إنسان، إذ يقول: "إنما أنا إنسان".

ولكوننا ناقشنا وقدمنا في هذا الباب فإني أشير هنا إلى موردين؛ أولهما: "أنا في الأب والأب في" وهذه واحدة من أهم الآيات التي يتمسك به القائلون بإلوهية السيد المسيح . لكن في الواقع نحن نجد المسيح  لا يرى لنفسه وجوداً منفصلاً عن الله تعالى، فيرى ذاته مندكاً في الوجود المطلق. تماماً كقول الصوفي "ما في الجبة إلا الله" إذ لا يحس بوجوده إلا من خلال الوجود المطلق وهذا عين التوحيد. ونفي وجود ذاته بأي معنىً، فكيف نفهم منه أنه إله وقد نفى عن نفسه أي لون للوجود بمعزل عن الله سبحانه.

ثانيهما: "كان الْكَلِمَةُ اللَّهَ وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا"، ظهور كون الكلمة الله وأنها تجسدت وحلت بين الناس، يشير بلا شك إلى تنزل الله إلى وجود مادي. لكن هذا مخالف لقواعد الفلسفة التي تقتضي بأن الموجود إما واجب أو ممكن أو ممتنع ويستحيل أن يكون هناك موجود يجمع بين نوعين من هذه الأنواع أو أن يتحول من نوع إلى آخر. وافتراض كون الكلمة الله وأنها تجسدت يعني أن الواجب الذي هو الله صارت جسداً الذي هو ممكن وهذا باطل.

وإن قالوا لا دخالة للعقل والفلسفة في الأمر ونحن نستضيء بالنقل فقط، قلنا إن إنجيل يوحنا نفسه الذي أورد هذا الكلام قد أورد أيضاً قولاً صريحاً ومنسوباً لشخص السيد المسيح  بأنه إنسان. مع الإشارة إلى أن اعتبار الكلمة الله وأنها تجسدت ليست قول السيد المسيح  وإنما ليوحنا، فيلزمنا الجمع بين هذه الأقوال وقطعاً المرجحات في مصلحة إنسانيته لا إلوهيته.
 

النتيجة

ينبغي لي أن أذكر شيئاً مهماً استشففته من خلال مطالعتي للإنجيل، وهو أن الإنجيل على قسمين جزء منه كلمات منسوبة للسيد المسيح  نفسه أي هو الذي قالها، والجزء الثاني كلمات لأشخاص آخرين تحكي قناعاتهم أو ما بلغهم من تاريخ عهده . وإن حاولنا قراءة كلماته هو وقارناها مع كلمات غيره فإنا نكاد لا نجد في كلماته ما يفيد الإلوهية بل حتى شبهة ذلك ما عدا موارد قليلة إن قرئت في سياقها تفيد إنسانيته قطعاً.

أما كلمات الآخرين فإنها تحمل أحياناً بين طياتها نوعاً من الإشارة إلى إلوهيته ، وحتى هذه يمكن تفسيرها بأنها دلالات لغوية غير دقيقة.

بالنسبة إلى الإنجيلين لوقا ويوحنا يمكن القول بأنّ إثبات إلوهية السيد المسيح  من خلالهما دونه خرط القتاد، ومع هذا فإن عدد الآيات التي فيها إبراز أكثر لإنسانية السيد المسيح جاءت في لوقا في حين أن يوحنا تميز بإشارات الإلوهية أكثر. ومع هذا فقد وردت فيه كلمات صريحة جداً في إنسانية المسيح  وغير قابلة للتأويل.

المصادر

    الكتاب المقدس. دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط. بدون رقم وتاريخ الطبع.
    قاموس الكتاب المقدس. ط12.دار الثقافة القاهرة. بدون تاريخ الطبع.
    رابرت اي، وان وورستت، مسيحيت از لابه لاي متون ،ترجمه:جواد باغباني و عباس رسول‌زاده، موسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني، قم، 1384ش.
    محمد شمس، سير تحول كتاب مقدس، بوستان كتاب، قم، 1389ش.
    عبدالرحيم سليماني اردستاني، درآمدي بر الاهيات تطبيقي اسلام و مسيحيت، طه، قم، 1382ش.
    محمد رضا زيبايي نژاد، مسيحيت شناسي مقايسه‌اي، سروش، تهران، چاپ دوم، 1384ش.
    القس عرض سمعان، الله وحدانية ثالوثة و ثالوث وحدانية، دارالاخوة،مصر، 2008م.
    علي الشيخ، لاهوت المسيح و المسيحية في الاسلام، مركز الابحاث العقائدية، قم، 1429ق.
    سمير سحاتة، الاختلافات في الكتاب المقدس، جامعة الازهر، مصر، 1990م.

10. القس غسان خلف، الفهرس العربي لكتاب العهد الجديد اليونانية، دارنشر المحمدانية، لبنان، 1979م.

11. القس فهيم عزيز، المدخل الي العهد الجديد، دارالثقافة المسيحية، القاهرة، 1980م.

12. محمد احمد محمد عبدالقادر، بشرية المسيح و نبوة محمد في نصوص العهدين، جامعة الملك سعود، الرياض، 1993م.

13. القس منيس عبدالنور، من هو المسيح، مركز دراسات الكتاب المقدس، مصر، 2002م.

14. احمد ديدات، اساقفة كنيسة انجلترا و الوهية المسيح، المختار الاسلامي، مصر، 1991م.

15. القس منيس عبدالنور، اسماء الله في الكتاب المقدس(الانجيل)، مركز دراسات الكتاب المقدس، مصر، 1995م.

16. القس منيس عبدالنور، القاب المسيح، مركز دراسات الكتاب المقدس، مصر، 1993م.

17. الكتاب المقدس و اللاهوت، نسخة الكترونية صادرة عن دار الكتاب المقدس، لبنان.

18. الأناجيل- النصوص الكامله، ترجمه و تحقيق: سهيل زكّار، دارقتيبة، سوريا، 2008م.

[1] قاموس الكتاب المقدس ص 107.

[2] قاموس الكتاب المقدس ص 396.

[3] قاموس الكتاب المقدس ص 17.

[4] قاموس الكتاب المقدس ص 18.

[5] قاموس الكتاب المقدس ص 191.

[6] قاموس الكتاب المقدس ص 108.

[7] قاموس الكتاب المقدس ص 124.

[8] قاموس الكتاب المقدس ص 124.

[9] قاموس الكتاب المقدس ص 890.

[10] قاموس الكتاب المقدس ص 860.

[11] قاموس الكتاب المقدس ص 1066.

[12] قاموس الكتاب المقدس ص 784.

[13] قاموس الكتاب المقدس ص 414.

[14] قاموس الكتاب المقدس ص 415.

نوشتن دیدگاه


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

منارة التابعين سعيد بن جُبير بن هاشم الاسدي الوالبي الكوفي نزل مكة تابعي، وكان...
التقية في تفسير الفخر الرازيمحمّد علي نصيف جاسم  الاسديالمحتوياتالمقدمة 1منهجنا...
القصة بين القران و الكتاب المقدس     الخلاصة وقع تشابه بين قصص القران...
التغيير الاجتماعي رؤية وتطبيقها التجلّيات القرآنيّة في حركة الإمام الحسين (عليه...
أوجه الشبه بين الثورتين، ثورة الامام الحسين (ع) وثورة الشهيد الصدر...
  چشم انداز تغییرات اجتماعی و تطبيق آنها اصطلاحات و تجليات قرآنی در نهضت امام حسین...
  المقدمة تمرّ الأمة الإسلامية بمرحلة صعبة حيث يسعى خصوم الإسلام إلى إيجاد فتنة...
  الملخص الصابئة من الأديان الشرق اوسطية القديمة، والحيّة التي يعتقد أصحابها...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون إلى...
  في هذا الزمان الذي انقلبت فيه المثل والقيم نری ونسمع من بعض الجهلة ان (الدين...