أوجه الشبه بين الثورتين، ثورة الامام الحسين (ع) وثورة الشهيد الصدر (رض)

 العلامة الفقيد السيد فاضل النوري (ره)

    بسم الله الرحمن الرحيمصدر

 « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

 لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ

 الاْخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ

  هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ »

 صدق الله العلي العظيم

   الأهداء

 اليك أيها الشامخ في مقعد الصدق بجلاله الموسوم .

اليك ايها الكلمة الزاهية في الكتاب المرقوم.

اليك يامشهد العظمة المكرور ، وهلّة المجد المستعادة.

يالوعة الجرح المسعور ، ومجدد الاثقال لهاتيك الريادة.

ياوشيجة الفروع بالاصول على خطى المصطفى وآل الرسول .

يافتنة الله في ركب البلاء الواصب المستدام .

ياتلك الوثبة الوِتْر المنسوخة من روعة الماضي حافدة لاترام ولا تضام .

ياروضة الكبرياء تنسم منها الكون عبق الخلود.

يارجع تلك البسمة التي مشت حميّا سحرها في عروق الوجود.

يا أوب تلك النغمة من قيثارة العلى تشنف سمع الزمان .

ياجلوة السمو في محفل القداسة في اسمى مكان

اليك هذه السطور التي تعيد لاهجةً بذكر عزتك القعساء تاريخ الشموخ، وتحكي مترنمة عن لسان مجدك الفذ ملاحم الامجاد.

  المقدمة

في مصادرنا عن هداتنا معاضداً بواقع الحياة من دهر الدهور ـ أنَّ مقاطع العظمة تجدد بعشاقها ، وأن ملاحم الانسانية تعاد بطالبيها ، وأن وقفات الخالدين تتكرر على أيدي الاحفاد المتأسين ، وبذلك يتجدد الدم في عروق المجد ، وتتألق محاسنه التي تصوغها المكرمات ، وتصونها المحامد ، وتمشي بها مع الحياة أنساً وفخاراً لهفات القلوب التي تمحضت للعشق ، ووثبات النفوس التي أنماثت في هوى الحق والحقيقة .

وفي مشهود تاريخنا وبدلائل المحسوس الذي لاريب فيه أن الرموز الخالدة تورث ابناء الخط خصال الخلود في مشارق المعرفة والتبيين ، وفي حماسات الممارسة والتمرين ، فأذا بهم بعد ان عركتهم المحن ، وضرّستهم الآلام ، وعجمتهم الخطوب قد عادوا نسور الهمم تنقلهم بحولها في آفاق الوفاء والتأسي والالتزام مهما كان في ذلك من دعارة الصروف ، وعرامة الأوصاب، وجيشات الغي والجهل والعناد ، لكأنما ولدتهم امهاتهم افلاذاً من كبد العلياء ولا غرو فهم سجايا العظماء الغابرين تنبت في صدق المواثيق لترد الوصوب الفذ الشامخ العملاق في عزمات الصادقين .

وفي مسيرتنا التي شهد لها الدم المقدس المهراق على ثرى الرافدين ، وكتب شهادته على جبين الاباء بأروع مشاهد التضحيات ـ تجددت حذو القُذّة بالقذة أو كادت أقباس سطعت في أفق العظمة ، وشهب لمعت في سماء الكبرياء ، ومآثر باهرة فاح عبيرها يسحر الارواح التي أعتقب عليها الزمان وهي تهيب بالمجددين حتى هب لها الكماة الشوس من ابناء العقيدة يسطرون للاجابة مالم تره عين الخيال النافذ والاماني المحلقة ، مما دوخ الألباب ، وحير الفطن ، وأعاد صدر الاسلام في مناقب الجهاد الفذة حياً للرائين بعدما انطوت الآماد ، وتصرمت الاحقاب وهي تحت دثار القرون تكابد قسوة التضييع والتعتيم .

وقصة الصدر أغرودة فاردة صدح بها عندليب الفخار معيداً الى الذاكرة بواقع ملحمي فريد ـ الرؤى الحالمة لحماسة الحسين الخالدة أثيرة القلوب العلية ، ومهوى النفوس الزكية ، حيث يسطع اريج المجانسة الكبرى من رحم الآصرة الكريمة ، ويضوع مسك التواشج من روضة المحتد العظيم ، وبنبثق فجر الانسجام والموائمة من روح الأقتداء الباهر بتصميم آسر على حسن التأسي والمحاكاة على درب التضحيات، مهما كانت الاثمان والتبعات .

وها نحن في هذه الصفحات مع بعض أوجه الشبه بين وقفة الصدر وأصلها ثورة جده معين الملاحم وفخرها ، مذ أشرقت من صبح العلياء على كف إمام الثائرين وسيد الشهداء، وسنرى في وجوه التماثل كيف ان الآيات البينات للواقع والامارات الهاديات منه تهدي وتشير الى روح التناظر المحير بينهما ، بل تدل دلالة مذهلة على سجية المشابهة الفريدة بين كثير من خصائص الثائرَين وسجايا الثورتين .

وأي عجب في ان يشبه الصدر الفذ أباه في جم من شمائله وشؤونه ؟، وهل الابناء الاّ نبات آبائهم ؟، وهل محاكاة الابناء لابائهم إلاّ دليل الاصالة وصدق روح الانتساب ؟.

تشابه العدد وأنطباق الأسماء على الالقاب

كان الصدر (رض) الابن الثاني بعد أخيه أسماعيل مع أختهما آمنة لابوين يسميان حيدر وبتول ، لم يسلم لهما من عادية القضاء المحتوم إلاّ هذه الصفوة.

وكان الحسين (عليه السلام) هو الأبن الثاني بعد أخيه الحسن ، وكانت عقيلة أهل البيت زينب ثالثة الأثنين على اصح الاثر في من حيّ لذلك البيت العظيم، وكان لقب الأمام علي (عليه السلام) (حيدرة) ، ولقب فاطمة ( عليها السلام ) (بتول) .

أرهاصات الثورة والشهادة

كان الصدر (رض) يرى في نفسه مبكراً أنه ضحية الاسلام ، وقربان الرسالة ، وصيحة الرفض ، وكان يهييء نفسه لهذا الامر ويخطط من هذا المنطلق حتى لأمور قد يراها الأخرون أعمالاً انتحارية كخطته المشهورة بان يقوم بالثورة الكلامية على السلطة في صحن أمير المؤمنين امام الملأ من الزائرين وغيرهم ، ولا يترك الكلام حتى يقتل هناك ،ليبقى دمه ثورة في نفوس الناس الحاضرين ، ورسالة ثورة الى الآخرين عن طريق الذين شاهدوها ، وقرأوا سطورها الفريدة.

وقد كان جده الحسين (عليه السلام) يرى في نفسه منذ الصبا وبعلم جده المصطفى أنه الدم الذي يسقي شجرة الاسلام من روح الفداء والتضحية ، وكان يعد نفسه لذلك ،ويترقب اليوم المشهود الذي ينفجر فيه مشعل النور للأباة والثائرين على طريق التحرر والانعتاق ، وكانت كلمات الحسين ولاسيما عند خروجه الى كربلاء ، ونبوءاته عن مصيره تحكي هذه الحقيقة.

كفالة أمير المؤمنين

كان الصدر (رض) منذ صغره مشدود القلب الى ساحة جده المرتضى علي (عليه السلام) على غير طبيعة الانشداد الولائي الذي يتحلى به أولياء أهل البيت وأنصارهم ، فقد كان ذلك حالة فريدة فسرتها الأيام بالنموذج الفريد من المواقف .

وكان (رض) يقضي يافعاً شطراً من وقته بالدرس والمطالعة في حرم الامام (عليه السلام) ، وقد انقطع اياماً عن ذلك ، فرأى أحد الصالحين في منامه أن أمير المؤمنين يقول له ( لماذا انقطع ولدي محمد باقر عن الحضور الى جواري للدرس والمطالعة؟).

وقد هزّ خبر الرؤيا الصدر اليافع من اعماقه ، فعاد وهو أشد شغفاً الى دأبه في انتهال المعرفة من ينابيع البركة والعطاء الالهي في احضان جده امام المتقين.

لقد كان لامير المؤمنين دور من عالم الغيب بما له من حرمة متميزة عند الله سبحانه ، وبما يمتلك من حب لولده (محمد باقر) لمؤهلاته الفريدة ـ في أعداده لهدف كبير وغاية عظيمة لايبلغها سواه .

وهكذا كان علي (عليه السلام) مع ولده الحسين (عليه السلام) في تربيته مباشرة ، ونفث روح الكمال في روعه ، وأعداده لعظائم المواقف وجسيم المهمات .

تماثل الاجواء

لقد عاش الصدر (رض) حالة أعداده نفسه للثورة في أجواء تشبه الاجواء التي عاشها الامام الحسين في أيام أخيه الامام الحسن ( عليهما السلام) حيث التعامل مع الظروف الضاغطة بروحية الحكمة في التدبير، واتخاذ موقف الصلح أنطلاقاً من مصلحة الاسلام العليا ، وبدافع الحفاظ على الصف الشيعي، واعداده لمستقبل الاسلام حين تحين الفرصة المناسبة.

ولقد أمضى الصدر شطراً من عمره في عالم عدم الثورية والمصادمة في فترة مرجعية الامام السيد محسن الحكيم التي كان يرى فيها الصدر غطاءاً آمنا للعمل الهاديء المتأني الواعي من خلال الفكر والثقافة والمشاريع الاسلامية التي ترسي دعائم الوعي ، وتعد الجيل للمواقف الحاسمة ، وتقوم بمناهضة التيار الالحادي الذي غزا العراق ، وتربية الكادر المتسلح بالفكر للوقوف امام ذلك الخطر الداهم . وكان ذلك يشبه أجواء الالحاد التي بدأت تنتشر في ايام معاوية بعد صلحه مع الامام الحسن (عليه السلام) ، واعلانه الصريح او المبطن امام حوارييه أو على منبره بكفره ومروقه عن الدين ، وسعيه لمحق الرسالة على نهج والده رأس الشرك والعدو الاول للاسلام (ابي سفيان) . وجاءت فترة البعث العفلقي الصليبي في أواخر مرجعية الامام الحكيم لتشهد البروز الماجن للكفر والالحاد ، والخروج عن القيم ، وأصلات سيف الحرب على الشريعة كافرة محمومة ـ لتشبه الفترة التي عاش فيها الامام الحسين (ع) في ظل الصلح لاخيه الامام الحسن (ع) والتي شهدت جرأة معاوية الواضحة على القيم، وتنكره لمباديء الصلح، والاعداد لاستخلاف ولده عشير القرود ، وغذي الخمرة والافكار الضالة من ثدي (سرجون) الذي أحتضنت به الصليبية سدة الحكم الاموي من خلال يزيد ، لتنتقم أشد الانتقام من الدين الذي أظهره الله ليأخذ عليها مشارق الارض ومغاربها، و كان أهم انجازاته لصليبه ما أشار به على يزيد من استباحة البيت النبوي الكريم في كربلاء على يد عبيد الله بن زياد.

وحين يبقى الصدر وحده امام جاهلية البعث يظهر امامه تماثل واضح بين رمز تلك الجاهلية (عفلق) المتظاهر مكراً ببعض المدعيات الاسلامية ، والحديث بدافع الخداع عن بعض امور الاسلام، وبين مؤسس السلطة الاموية ورمزها معاوية الطليق بن الطليق الذي لم يظهر الاسلام الاّ ليحقن دمه ، ويتخذ منه غطاءاً لمكائده للرسالة ، وسعيه الحثيث لاعادة ليالي الجاهلية، والعمل بوصية أبيه (تلقفوها يابني امية تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان لاجنة ولانار).

ويظهر تماثل واضح بين النفوذ الصليبي في الحكم البعثي من خلال عفلق وامثاله، وبين وجود ذلك النفوذ في الحكم الاموي في عهد يزيد من خلال سرجون الذي كان المستشار المطاع لدى يزيد ، يضاف الى ذلك تماثل مهم آخر بين رئيس النظام البعثي الذي يمثل أوضح مصاديق المجون والمروق ، وسحق الحرمات والمباديء ، وتجاوز حدود القيم والاعراف ، وحدة الشراسة على الدين وأتباعه ، والبروز بمخالب الوحش الكاسر لينهش بكل أضغان الكفر في لحوم المؤمنين ، ويمزق أجسام المجاهدين ـ وبين يزيد الذي أقر صدام عينه ، واثلج صدره بالاقتداء الفريد بكل عهره ومجونه وقساوته وعدائه لله وللعقيدة .

وبانت الساحة أمام الصدر في عهد صدام كما هي ساحة الامام الحسين في عهد يزيد، حيث لم يبق مجال امامه الاّ للثورة ، ليقوم الدم المظلوم بمساورة السيف الغاشم ، وتتفجر صيحة الثورة في اوساط الركام الجاثم من الخوف والتضليل ، لتعيد الامة الى دورها في الرفض، وتصحيح الاوضاع بما ينسجم وروح الاسلام الأصيل.

 كسر أطواق الخوف والخنوع

لقد كان من دواعي ثورة الامام الحسين (عليه السلام) وهي جمة ـ محاولة كسر حالة الخوف التي كبلت الايدي حتى عن أن تشير أية أشارة الى موضع الانحراف ، وكمت الافواه ومنعتها عن أن تنبس ببنت شفة ضد الطغيان ، وسمّرت الأقدام بالارض فحالت بينها وبين أن تخطو خطوة واحدة نحو التغيير .... وكانت أجواء رهيبة سكت فيها الأخيار ، وماشاها الضعفاء ، وذاب فيها المنحرفون ، ووجد الظالم الجائر غاية مايتمناه لخطه الانحرافي عن درب الرسالة .... وكانت أطباقا هائلة ثقيلة من الجور والاستبداد ، غوى فيها الانكاس ، وتهيب الاكياس ، فكان لابد من صيحة حسينية صاخّة ترهب الظالمين ، وتهدم جدران الرعب التي أقاموها حول الناس فحالوا بينهم وبين أي موقف مناويء ، وتبعث شرارة الرفض في القلوب التي استشرى فيها الاستسلام ، وتقدح زناد الأمل في تلك النفوس التي يئست وتلك التي كادت أن تيأس ، ويكون صاحب تلك الصرخة اسوة الأحرار ، وقدوة الاخيار في أباء الضيم ، وانكار المنكر .

وعاش الصدر (رض) اجواء مماثلة لتلك التي عاشها الامام الحسين (ع) ، فقد سيطر الرعب ، وهيمن الخوف ، وتهيّب الناس موقف الاعتراض ، وخشى المصلحون كلمة الرفض ، وآثر الجميع الصمت بدوافع الخشية ، والحذر ، والاحتياط ، وحب السلامة ، ووجد البعثيون منشودهم في قدرة السيف والسوط على تمهيد الطريق امامهم الى الهدف ، واشتدوا في ممارسة العنف الذي رأوا جدواه فجاؤوا به الوانا لم يعرف لها مثيل في التاريخ ، فعاد عليهم بما لم يجده اسلافهم من الحكام في العراق من عوائد السكوت عنهم ، والهيبة من أي اعتراض لهم .

فكان الصدر على خطى جده سيد الشهداء هو صاحب ذلك الصوت الهادر الذي حطم أسوار الهلع ، وأفزع العفالقة ، ووجّه الانظار صوب المخلّص ، وأشاع روح الامل في الافئدة ، ورسم للصالحين منهج الرفض ، وصار لهم فيه قدوة تقتدى ، ومثلاً يحتذى .

نقرأ في التاريخ صيحة الحسين الهادرة في عنفوان الطغيان :

 (لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما ) ( على الاسلام السلام اذ بليت الامة براع مثل يزيد ) (مثلي لايبايع مثله)

ونقرأ حفيدتها صيحة الشهيد الصدر وهي تتحدث بلغة الدم التي هي ابلغ اللغات تعبيراً عن الرفض والتحدي :

( إن يقظة هذه الامة تحتاج الى دم كدم الامام الحسين ، وحيث أنه لا أحد له مثل موقع الأمام الحسين في امته فيجب أن نقدم مجموعة من الدماء ).

وجلجل صوته الراعد بالرفض والعناد :

( أؤكد للمسؤولين أن هذا الحكم الذي فرض بالحديد والنار على الشعب العراقي ، وحرمه من أبسط حقوقه وحرياته ، ومن ممارسة شعائره الدينية لا يمكن أن يستمر ... وأن القوة ما كانت علاجاً حاسماً دائماً إلاّ للفراعنة والجبابرة).

( ايها الشعب العظيم أنك تتعرض اليوم لمحنة هائلة على يد السفاكين والجزارين الذين هالهم غضب الشعب وتململ الجماهير بعد أن قيدوها بسلاسل من الحديد والرعب).

(الجماهير دائماً هي اقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة ، وقد تصبر ولكنها لاتستسلم).

أهداف الثورة

لقد أعلن الصدر الثائر أهداف ثورته في نصوص خالدة وبصوته المحفوظ في شريط التسجيل، ومن قبله جده امام الثائرين على خط الرسالة أعلن أهدافه التي سمعتها أذن المجد الواعية، وحفطتها ذاكرته، ورددها لسانه أناشيد للاجيال عاشقة الحرية ، ونجد الروح في الاهداف واحدة لانها أهداف العقيدة ، وارادة الله التشريعية ، ومسؤولية عباده التي اراد لها أن تتحقق بواسطة المخلصين .

يقول (ع) (لم اخرج اشراً ولا بطراً ولاظالماً ولا مفسداً، إنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي، اريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر).

وأعلن الصدر أهداف ثورته صريحة وواضحة (إنني أطالب باطلاق حرية الشعائر الدينية ، وشعائر الامام ابي عبد الله الحسين ، كما وأطالب بأعادة الأذان وصلاة الجمعة والشعائر الاسلامية الى الاذاعة ، واطالب بايقاف حملات الاكراه على الانتماء الى حزب البعث على كل المستويات ، واطالب باسم كرامة الانسان بالافراج عن المعتقلين بصوة تعسفية ، وايقاف الاعتقال الكيفي الذي يجري بصورة منفصلة عن القضاء ، وأخيراً أطالب بفسح المجال للشعب ليمارس بصورة حقيقية حقه في تدبير شؤون البلاد وذلك عن طريق أجراء انتخاب حر ينبثق عنه مجلس حر يمثل الامة تمثيلاً صادقاً).

 عدم العمل بقانون التقية

حينما تكون مسيرة الاسلام امام معضلة من خصومها اللدّ حيث لا ينفع ازاءها إلاّ النداء الجاهر بالرفض ، والوقفة الصارمة للردع، هنالك تكون النفوس الملزمة بالتكليف الاقدس أرخص ما تبتاع به سلامة الدين ، وتفدى به العقيدة التي لابد لها أن تحيا لانها حياة الارواح ، وان ريّها الذي يينع به عودها هو الشراب القاني من مهج الاخيار الذين رأوا فيها حقيقة الوجود، وسر الخليقة ، ومنهج المسار.

واذا كان الامر بهذه المثابة فأي مسوغ من تقية وغيرها يمكنه أن يكون تبريراً للقعود ، أو ذريعة للجمود، وإن وردت فيه النصوص التي مهما تمادت في تسويغ السكوت فأنها لاتصل الى حد الرضى به عندما تكون المسألة دائرة بين الحياة والموت للرسالة ، ويكون الطمس والتضييع هما المصير الذي يتهددها على يد الضلال العنيد.

وهكذا كان الامر في ظروف ثورة الحسين (ع) حينما استشرت الجاهلية وتعرت ، فكشفت عن حقيقة نواياها مع غريمها القديم (الاسلام) بعد هلاك معاوية وبيعة يزيد .

وكمثل ما جرى ثمة حصل في زمان ثورة الصدر عندما تجسد الكفرفي منتهى العداء والشراسة، حيث لم يكن لعالم يحس بمسؤوليته مثل سليل ابي الضيم ألا أن يحتذي مثال ابيه في الموقف ازاء جاهلية جديدة أحتذت مثال امها جاهلية الامويين.

وحيث علت الاصوات امام الخطى الاولى في مسيرة الثورة الطفية تطالب رائدها الحسين بالسكوت والتربص والبعد عن موارد الهلكة، فكان الالزام القطعي لأسوة الاحرار يجعله يصم عنها فينطلق بمنتهى التصميم على اداء التكليف ـ كان حفيده الصدر ينأى بسمعه عن نداءات التقية التي يرددها من حوله الخانعون ،والخائفون ، والجاهلون ، وازلام السلطة من وعاظ السلاطين.

لقد فتح رضوان الله عليه باب الشهادة على مصراعيه له وللعاملين على خطه كاسراً سدود التقية ، عسى أن يفك بذلك أسر الدين ، ويمنحه من دم الوريد ما يرتوي به ليعود يانعاً مزهراً بعد أن كاد يذبل ويموت في بلاد الرافدين .

انه طاب ثراه يعدد المنكرات البعثية التي صبر عليها أهل التقية ، ولا ينبغي لهم ذلك بل يجب أن يهدموا جدار الصمت لتنطلق الصرخة هادرة بالرفض ، فقد فضح صبح التكليف بالقيام بدليله القاطع ليل التبريرات ، و ديجور الاعذار .

(اسقطوا الأذان الشريف من الاذاعة فصبرنا ، اسقطوا صلاة الجمعة من الاذاعة فصبرنا ، وطوقوا شعائر الامام الحسين (ع) ومنعوا القسم الاعظم منها فصبرنا ، وحاصروا المساجد وملأوها عيوناً فصبرنا ، وقاموا بحملات الاكراه على الانتماء الى حزبهم فصبرنا ، وقالوا أنها فترة انتقال يجب تجنيد الشعب فيها فصبرنا ، ولكن الى متى تستمر فترة الانتقال ؟).

وحيث يعلو الصوت الاحمق أو المشبوه للتحذير الشرعي في وجه الهمة الحسينية ،يعلو النداء الالهي ل6مبدعها بأن الفتح في مسيرته ، وأن الظفر في انطلاقته ، وان الجنة مشرعة في وجهه (من لحق بي فقد استشهد ومن تخلف لم يدرك الفتح) ( ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً فأني لا أرى الموت إلاّ سعادة).

انه يبطل التشكيك في خروجه بالمحذور الشرعي بقوله (الا ترون الى الحق لا يعمل به ، والى الباطل لا يتناهى عنه ...).

ومثل ذلك واجه الصدر فى ثورته فقابله بموقف جده معتبراً أن الجنة قد فتحت ابوابها لتستقبل قوافل الشهداء في ركبه المبارك الذي رأى تكليفه اللازم الذي ليس له سواه أن يكسر طوق الصمت، وأن يضرب بالتقية عرض جدار الوظيفة المقدسة التي تطلبتها محنة الدين القصوى حيث لا مجال للخنوع أو التشبث باذيال المعاذير التي هي باب نجاة الخانعين الذين يستطيعون أن يلووا عنق الشريعة ليخرجوا منها أدلة تبرر خنوعهم ، وتعطيهم العذر للسكوت ، وما أهون ذلك على الصدر لو اراده بداعي حب الحياة ، معتبراً أن وجوده المبارك المثمر المعطاء يحتم عليه بالحكم الأولي أو بالعناوين الثانوية ضرورة البقاء أطول فترة ، ليأتي الحياة كل يوم بشيء جديد من فتوحاته الفكرية الباهرة .... ، لقد رفض المجد والالق الشخصيين، ونبذ حب الحياة في ظل وضع ترتهن فيه العقيدة باطواق الاختناق والحجب عن الواقع فقرر أن يموت من أجلها.

رفض البيعة وشروط المساومة

حين طلبت الضلالة الاموية في بداية تجاهرها المفضوح البيعة من الامام الحسين كان موقفه الرفض الذي حمل لواءه حتى الموت ، وتحدى به كل الوان الوعيد ، ودمدمة الرعود القاصفة، وداس بقدمه الشروط التي لوّح بها الجناة امام عينيه وسيلة للسلامة والنجاة من حد السيف، وكان نداؤه الفذ الذي لم يزل فم التاريخ يصدح به نشيداً للثوار واغرودة للشرفاء

(والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ، ولا اقر اقرار العبيد)

(ان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السِلّة والذلة وهيهات منا الذلة)

وعلى منهج طغاة الامس حاول طغاة بغداد ان يجعلوا الصدر في اسر بيعتهم، او الولاء لهم ، أو السكوت عنهم على الاقل ، وجاؤوه من اجل ذلك بكل فنون المكر والكيد والاغراء ، ودقوا على سمعه طبول التهويل والتحذير ، ووعدوه ومنوه، ثم خوفوه وبسطوا له  يد السوء بكل قسوتها ، وقد واجه هو ذلك كله بصلابة الطود الاشم للايمان الراسخ الذي لا يتزعزع ، وصيحته تزمجر امام خطاه (لقد صممت على الشهادة) وحيث فتحت امامه ابواب السلامة التي فتحت امام غيره بالسكوت او اللجوء الى إيران رفض ذلك قائلاً لابناء الامة عندما استعلموه عن حقيقة ما يقال أنه يريد الخروج من العراق (هيهات محياي محياكم ومماتي مماتكم) .

(أني أؤكد لك ياشعب ابائي واجدادي اني معك وفي اعماقك ولن اتخلى عنك في محنتك).

 الكوفة معقل الثورة

كانت الكوفة هي مهد الثورة الحسينية من ناحية ايجاد موضوع الحكم الشرعي الملزم بالقيام الخالد ، وتوفر الظروف الموضوعية التي تكون ارضية لاداء التكليف الصارم وهو التغيير ، الولاء والجند و الاستعداد للثورة ، وقد عاش فيها الامام الحسين مدة من عمره في امامة ابيه امير المؤمنين عندما حولها عاصمة لدولته راسماً بذلك بداية الطريق لجعل أرض العراق عاصمة الدولة الاسلامية ، وجعل الكوفه بالذات مختار الامامة ،وموضوع رغبتها في ان تكون عرين الحكم الاسلامي ومنطلقه الى العالم ،وهو ما سيحققه يوم الظهور على يد القائد الموعود .

رأى الحسين كذلك بريق الحماس الاسلامي والولاء الصادق لدى المخلصين من اهل الكوفة من اتباع ابيه واعوان اخيه الذي ورث الامامة والزعامة من والده العظيم . ان الكوفة هذه والتي غلب اليوم اسم النجف الاشرف على اسمها حتى صار متبوعها بعد ان كان يدعى ظهرها ومن نواحيها ـ كان لها دور في الثورة الصدرية، ففيها عاش الصدر ، ونهل من معارف الاسلام على خط اهل البيت في رحابها ، وفيها اعطى دروسه في علوم الشريعة ومنهج الثورة ، ومنها انطلق في تجسيد افكاره ومشاريعه الثورية ، ومنها وجه وكلاءه وانصار خطه رسلاً الى الناس يهدونهم الى رايته ، ويدعونهم الى بيعته ، وفيها دوت امام بابه هتافات البيعة ، وانطلقت الى سمعه من بينها نداءات ( نحن جنود مجندة) لتشكل تناغماً فريداً مع نداءات اهل الكوفة للامام الحسين.

 ثورة لكل الامة

ان الشبه الكبير بين الثورتين يتجلى في انهما وان كانا بريادة امام معصوم من اهل البيت ، وسيد عالم من ذرية المصطفى متأس بآبائه الطاهرين ـ فانهما لم تكونا بهدف حماية اتباع الخط فقط ، او اغاثة جماعة معينة اوتطبيق مذهب محدد ، بل كان الهدف هو نصرة الامة باجمعها ، وتطبيق الاسلام بروحه الشاملة ومبادئه العامة على كل المسلمين ، ومن هنا كانت نداءات الثائر الاب وابنه البار المقتفي اثرابيه نداءات عامة لكل المسلمين بكل معنى العمومية والشمول ، وبأوضح صورهما. يقول الامام الحسين في احد نداءاته (انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدى رسول الله) ويقول مجدد ثورته وبنفس تلك الشمولية ( يا شعبي العراقي العزيز ... اني اخاطبك في هذه اللحظة العصيبة من محنتك وحياتك الجهادية، بكل فئاتك وطوائفك، بعربك وأكرادك، بسنتك وشيعتك، لان المحنة لا تخص مذهباً دون أخر، ولا قومية دون اخرى ، وكما ان المحنة هي محنة كل الشعب العراقي، فيجب ان يكون الموقف الجهادي والرد البطولي والتلاحم القتالي هو واقع كل الشعب العراقي ، وإني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الامة بذلت هذا الوجود من اجل الشيعي والسني على السواء ، ومن اجل العربي والكردي على السواء، حيث دافعت عن الرسالة التي توحدهم جميعاً، وعن العقيدة التي تضمهم جميعاً ، ولم اعش بفكري وكياني الا للاسلام طريق الخلاص وهدف الجميع ... اني اعاهدكم باني لكم جميعاً ومن اجلكم جميعاً ، وانكم جميعاً هدفي في الحاضر والمستقبل).

انهما ثورتان لكل الامة بكل مشاربها ومذاهبها، وان كان الوريد الذي قدحت شرارتهما من دمه الطهور هو الوريد العلوي الشيعي الذي ابى الله الا ان يكون منه نزف التضحية على طريق نصرة الاسلام ، واعزاز كلمة الحق ، ودحض الباطل على طول الطريق ، ومر الازمان.

 التماثل في مواجهة الشبهات والفتاوى التضليلية .

واجهت مسيرة الثورة الحسينية منذ انطلاقتها الواناً من الشبهات والدعايات المضادة ، وحتى اشكالاً من الاحكام الشرعية التكفيرية ، فاتهمت بانها مخدوعة ، او مستعجلة ، وغير مدروسة ، وعارية عن لباس الحكمة ، واتهمت بانها مادية تبحث عن الامجاد الذاتية ، وقيل عنها انها انتهكت حرمة الشريعة التي تأمر باطاعة ولي الامر ، وان رائدها قد خرج عن حده فقتل بسيف جده ، وقيل عنها غير ذلك مما سمعه قائد الثورة مباشرة او قيل وراء ظهره ، او بعد شهادته من السلطة المضادة، والخصوم ،والناصبين ،او من الحمقى، والجاهلين ، والمخدوعين . وهذه السجية البارزة في الثورة كانت ايضاً سجية الثورة الصدرية ، فقد نالت وقائدها سهمهما الوافر من التهم والتحريف بالأقاويل والشبهات والاحكام الظالمة المتذرعة بالدين والورع والذب عن حياض الشريعة .... فقيل عن حركته انها راية ضلال قبل موعد الظهور لا تنسجم مع الصبر والسكوت المطلوبين لمنتظري اليوم الموعود ، وقيل انها تدخّل في شؤون السياسة مع ان الدين لاشأن له بذلك ، وقيل عن رائدها انه عالم حزبي يطمح الى ما يطمح اليه ارباب الاحزاب وروادها ، وقيل عنه انه ذو توجهات سنية منحرفة ، وقيل عنه كذلك انه مخدوع ومغفل ، ويعبث بارادته الاخرون ، وانه لم يلتزم جانب البصيرة بواقع حركته ، ولم يتحل بالحكمة في تعامله مع حقائق الامور ، وقيل فيه ماهو اكثر من ذلك ، مما سمعه مباشرة او بهت به ورشقت بسهامه حيثيته الشريفة ومقامه الكريم من ورائه ....وكما تم تحريض السلطة الاموية بالمحركات الشرعية على ثائر كربلاء ، تم تحريض سلطة الكفر في بغداد على مفجر الثورة الاسلامية في العراق بتلك المثيرات والدواعي ، والتي واجهتها ساحته كأخطر سلاح ، ووجدت فيها خطاه اشق عقبة تقف امامها دون هدفها.

 (الانكسار الظاهري)

لقد تماثلت الثورتان الحسينية وحفيدتها الصدرية بالتشابه في قضية الانكسار الظاهري، فكلتاهما لم تحققا الهدف المرسوم ظاهراً وفي الوقت المنظور لمن عايشوا الثورة، واملوا قطف ثمارها يوم الحصاد القريب ،فقد تم دحرهما بادي الرأي، وقُتِل الثائران العلويان شر قتلة، وابيد اصحابهما الميامين ، وهدأت فوارة الخطر المحدق بالسلطة الحاكمة، واعلنت ابواق الظلم الناظرة بعين يومها وساعتها قضاء الطغاة على مصدر التهديد ... و قد غفل المعايشون لصراع الثورتين مع العرشين الجائرين عن مسألة المرمى البعيد لهما ، والنتيجة النهائية التي هي فوق نيل النظر السطحي الذي تعوّد رؤية الاشياء القريبة بلا قدرة على الاستشراف ، او الاستشفاف ، او الاستنتاج المنطقي من المقدمات المنظورة للنتائج الكبيرة التي تحتاج لتظهر الى وقت بحجمها. وما اقرب ان يشبه امرهما في ظاهر الحال و واقع المآل ما قصه الله سبحانه في كتابه الكريم عن غَلَبِ الروم الذي استبشر به المشركون ، وعن غُلْبها الذي كان في خزانة الغيب حقيقة واقعة لا محالة ، تسر المؤمنين الذين يستشرفونها في افق التربص المقرون بالرجاء لفضل رب السماء ،

(غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لايعلمون ، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون).

 قضية انتصار الدم على السيف

في النهج السماوي المبدع للمفاهيم والسنن والمواقف والقوى المحيرة على طريق الهدف الاسمى (تحرير الانسان) يلتمع قانون عجيب صارم هو قانون ( انتصار الدم على السيف ...) ومذ طلعت الرسالات الالهية المكافحة، واختتمت برسالة الجهاد الفرد ـ كان الدم المهراق ساقي شجرتها الخالدة بخلود عطاء الشهادة ، وكان النزف المقدس مكتب التأمين الصادق الذي اودعته وجودها فصدقها المعاقدة على الدفاع عن حياض هذا الوجود العظيم ، وضمان سلامته من العوادي المردية .

في ثورة الحسين كان شريان الفداء هو الحسام السماوي البتار الذي انتضاه رائد القضية الكبرى التي حيرت قوانين الارض ومسلماتها وعاداتها، فثاور السيف الترابي الذي صنعته يد القهر لتقمع به ارادة الحرية والخلاص ، وحين علق به الدم الطهور ذاب ذوب السراب امام سطوة الواقع ، وانماث كماينماث الوهم في حر الحقيقة ، وان تراءى للناظرين عند ذوبانه بخداعه ومكابرته على هيئة الفالج الظافر .

لقد حكم الدم الطفي على الطغيان الاموي لدعاة الجاهلية الموتورة بالفناء حكماً حاسماً هو صيحة القدر المحتوم ،وقضاء الارادة النافذة .

وكانت الرؤوس الشريفة المرفوعة على رماح الجناة رايات الانتصار ،واكاليل الغار ،تصيح بأرفع النداء ، مزهوة ببشرى الفلاح واوسمة الظفر.

وعلى هذا المسار النير العاطر كانت خطى ثائر العراق الشهيد الصدر ، مصلتة قانون غلبة الدم ، متحصنة بدرعه الوثيقة ، غير هيّابة من غوائل العواقب التي يخشاها المثاورون باسياف القدرات المادية ، معتزة باليقين من النصر المهيب الطافح في أفق الشهادة الاحمر .

وحيث لم يكن جده الحسين يملك في صياله الفذ الاّ عروقه النابضة الفوارة ، وعروق اصحابه التي صبت حممها على العرش الخشبي ـ لم يكن حفيده صدر المكرمات يحوز في حلبة الصراع الا مهجته المتأهبة للعطاء ، ومهج الابرار من عشاقه وجنود خطه الازكياء ، تتوكف الظفر الاغرّ حين تصمى بحراب العادين واسنّتهم .

جاذبة العشق

في عالم العشق الامثل الرحب الممتد كانت هناك صفحات خالدة تتلألأ بأنوار الصدق والوفاء ، وتتأرج بعبير السمو والعلاء ، شامخة باذخة ترمقها عين الخلود بكل معاني الاكبار والاجلال ، لانها تجسد حقيقة التوجه الانساني بأصدق المشاعر النقية السامية وهو الانجذاب الطهور الى الحقائق الكبيرة المقدسة التي لا تُعشق الا لذات كمالها وجلالها ورفعتها ، وان كل ماجر اليه ذلك الهوى القدسي من محن وشجون هو بعض المشتهى على درب ذلك الهوى .

لقد عشق اللهَ- محبوه فذابوا اعذب الذوبان في اروع مصهر، وعشق مريدوه اولياءه المقربين لنسب العشق بينه وبينهم فهاموا فيهم كأنهم يهيمون فيه ، ولا غرو فهم آياته ودعاته ، وشارحو كتاب مجده واسمائه الذي لا يفسره الا الهائمون .

واشرق في ذلك التاريخ الوتر وَلَهُ اصحاب الحسين في اسوتهم في الغرام، وداعيتهم الى منتهى الضرام ، تجسيداً لاشرف الصدق في سبحات الهيام ، وقد عبر احدهم بما طاوعه من الفاظ الارض ما ظن فيه القدرة على بيان الحال لحقيقة ذلك السعار الاشهى فقال (حب الحسين اجنني) ومن هنا حفد في ركب المحبة الطاغية هو والمدلهون يخوضون في نيران الوجد يحسبونها جنانهم المشتهاة في ذروة العلى ، ويباسلون في المحبوب عرامة الموج الهادر في خضم الجوى يرونها غاية المنى .

وتكرر مشهد الحب العجيب بعد ما عبر من خلال القرون المتمادية على جناح المجد ليجلجل نداؤه الفريد على مسمع الحبيب حفيد الحسين في نجف المعالي ، حيث صرح العشق في وفود البيعة عندما نادى شبيه (عابس بن ابي شبيب الشاكري) يعبر للقائد عن طويته ودخيلة من معه من المبايعين (حب الصدر اجنني) ، وكما مشى اصحاب الحسين على طريق الانجذاب الفذ في ملحمة اسطورية من ملاحم جنون الانسان في الانسان سار متيمو الصدر معه على الدرب ليجددوا تلك الملحمة ، ويعيدوها حية للناظرين بعد ما كانت قصة تأبّت الند من قصص الهوى الاقدس تتلى على المنابر ، و تقرأ في ما يسطرون .

ولو لم يكن الحب الفرد لما كانت تلك المواقف التي توحدت بالشموخ ... ولو لم يكن ذلك الاندكاك الشعوري في مذوب الانصعاق الطوري لما اشرقت تلك الشموس السواطع في افق العراق آية يرتلها الفخار من مصحف التأسي ، كأنها هبطت للتو من سماء كربلاء نزل بها روح مجدها الامين .

 التماثل في الرمزية

لقد انتصر الحسين كما اراد ، وبلغ غاية مرامه حين صار رمزاً للفداء، ومنارة للتضحية ، وبركاناً واصباً تنطلق على نهجه حمم الثائرين الاباة تدك عروش الظالمين والطغاة ، ونال الحسين طلبته أن يكون مدرسة للاحرار يتعلمون فيها دروس الانعتاق ، وان يظل منبراً للكرامة يدوي منه نداء الرافضين للضيم يوقد منه في صدور الشرفاء مصباح الاباء من شجرة التحدي . وترنمت بموقف الحسين اطيار المكرمات باعذب اللحون في آفاق العز والشرف والامتناع على الذل ، فتشنفت اسماع الاجيال التي اسرتها الانغام الخلابة الجديدة، فقادتها بخطام التسليم الى باحات المقاومة، وصنع المواقف الطالعة على عوالم المجد من مشرق الاعجاز سراجاً وهاجاً دائم الاشراق .

لقد ظل أبو الاحرار صانع الثوار ، وبقيت ثورته معين الثورات ، وما فتئت ترنيمة التعالي تصوغها انامل الدهر الخاشع على اوتار الاكبار تدهش الالباب بفرط صياغتها واقتدارها الفني وسحرها ، ولاتزال متجددة ليبقى الاعجاب حياً، متصلة ليظل الانجذاب واصباً ، ثرة العطاء بلا انقطاع لتؤتي اكلها كل حين بأذن ربها ..... وهكذا كانت ثورة الصدر ، فما عتمت منارة ومساراً لاحرار العراق واباته ، يلهجون بذكر الرمز الشهيد ، ويسرعون على خطاه منقادين بأزمّة التأسي ، وعزمة الثأر ، وجلال الهدف المقدس ، ليصنعوا محير العقول من البطولات ، ويسطروا مدوخ الالباب من الملاحم . وبقي الصدر الثائر منذ عروجه أنشودة الثائرين ، يصبون دموع الاسى لفقده زيتاً على لهيب الغضب ليعود اعصاراً نارياً ، ويحولون اللوعة الفادحة بخسرانهم اياه صاعقاً رهيباً يفجر العزيمة لتنقلب بركاناً مهولاً يحاصر بالرعب الخانق غرماء الحق حتى في آمن مدّخلاتهم ومغاراتهم .

وكما بقي للحسين ورثة خطه وثورته من آله ومريديه يواصلون خطاه الرافعة على الاثر المرسوم في نهج الدم القاني ، ويعيدون صوته الجاهر النابت في ضمائرهم الناهضة حياً الى الوجود كأنه صيحة اليوم ـ هكذا بقي للصدر جنوده الاوفياء يديمون نهجه ومشعله ، ويشرحون تطلعاته واهدافه ، ويكدحون دأب المخلصين الصابرين في بذل الوسع في الجهاد الذي الزمهم به القائد الشهيد ، فرضاً يفوق كل الفروض ، وحقاً يبذ كل الحقوق ، وطريقاً متوحداً لا شفع له ولابديل .

 عمق الاحساس بالمسؤولية

لقد أحس الامام الحسين (ع) بمسؤوليته تجاه دينه ورسالته أروع ما يكون الاحساس وأقدسه ، وجعل وجوده كله رهناً بهذا الشعور الطاهر ، وطوع ارادته، مهما كانت تبعات ذلك الارتهان وعواقبه ، والتي كان يلوح له فيها في الافق بريق السيف البتار الذي يحزّ به المجرمون رأسه الشريف . وان احساسه بالمسؤولية المقدسة هو الذي جعله حيث سكت الخانعون والنفعيون ، وتزلف الوعاظ المتاجرون ـ يقول لمعاوية بجرأة المؤمن المجاهد الراسخ الخطى على الايمان رسوخ الاطواد في اعماق الارض :

(وهيهات هيهات يامعاوية فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس انوار السرج .... ولقد فصلت حتى أفرطت ، واستأثرت حتى اجحفت ، ومنعت حتى بخلت ، وجرت حتى جاوزت، تريد ان توهم الناس في يزيد كأنك تصف محجوباً، او تنعت غائباً ، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص ، وقد دل يزيد بنفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد بما اخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش ، والحمام السبق لاترابهن ، والقينات ذوات المعازف ، وضروب الملاهي ـ تجده ناصراً ، ودع عنك ما تحاول مما اغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما انت لاقيه ، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم ، حتى ملأت الاسقية ، وما بينك وبين الموت الا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ، ولات حين مناص)

ويخاطبه الحسين (ع) في كلام آخر قائلاً له :

(واني لا اعلم فتنة اعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها ، ولااعظم نظراً لنفسي ولديني ولأمة محمد (ص) افضل من ان اجاهدك ، فان فعلت فانه قربة الى الله ، وان تركت فاني استغفر الله لديني واسأله توفيقه لارشاد امري ...

وقلت فيما قلت ان انكرتك تنكرني ، وان كدتك تكدني ، فكدني ما بدا لك فاني ارجو الله ان لا يضرني كيدك، وان لا يكون على احد اضر منه على نفسك ، لانك قد ركبت جهلك ، وتجرأت على نقض عهدك ، ولعمري ما وفيت بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق (يعني حجر واصحابه)، ولم تفعل ذلك بهم الا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة امر لعلك لولم تقتلهم مت قبل ان يفعلوا، اوماتوا قبل ان يدركوا ، فابشر يامعاوية بالقصاص واستيقن بالحساب ، واعلم ان لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولاكبيرة الا احصاها ، وليس الله بناس لاخذك لاوليائه على الظنة والتهمة ، ونفيهم من دورهم الى دار الغربة ، واخذك للناس ببيعة ابنك وهو غلام حدث يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب ، وما اراك الا قد خسرت نفسك ، وغششت رعيتك ، وسمعت مقالة السفيه الجاهل ، واخفت الورع التقي).

وهذا الاحساس هو الذي جعله يبادر الى طريقة التحرك المستور والعمل السري بعد رحيل اخيه السبط المجتبى، لجمع صفوف شيعته ومريديه على كلمة الرفض والثورة ، وتهيئة الاجواء المناسبة لما بعد معاوية، حتى كتب عيون الضلال الى معاوية عن هذا الحدث ( إن رجالاً من اهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون الى الحسين بن علي ، وانه لا يؤمن منه وثوبه ...).

والاحساس بالمسؤولية هو الذي جعله يرفض الدنيا العريضة التي يمكنه أن ينالها بكل يسر اذا ألان جانبه للظالمين ، لكنه رفض البيعة ليزيد وهو يقول لمروان بن الحكم لمّا دعاه اليها ( إنا لله وإنا اليه راجعون ، على الاسلام السلام إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد) .

وقد قال لاخيه محمد بن الحنفية ( والله لولم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية)وقال للأمة ( إنا اهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، ومثلي لا يبايع مثله ) .

وكما رفض الامام الحسين باحساس المسؤولية ان يلزم جانب الحياة مأنوساً بالعناوين الكبيرة التي يمتلكها ، والتي تجعله يستحوذ على القلوب استحواذ الفاتح فهو سبط الرسول، وريحانته، وابن البتول ، وسيد شباب اهل الجنة في نظر كل المسلمين حتى غير اتباعه منهم ، وهو وارث علم النبوة ، ومرجع الامة في الاحكام والمعارف ، واعلم رموز ها با لشريعة ، وابصرهم بحقائق الكنوز النبوية، وكان بامكانه لو اراد ان يظل اطول مدة ممكنة مع هذه النياشين البراقة التي تمنحه المكانة و الكرامة والتقدير، وحتى متاع الدنيا لو اشتهاه ـ لكنه، رفض هذا كله و داسه بقدم المسؤولية المقدسة ، واعرض عنه اعراض الزاهدين بتمام حقيقة الزهد في سفاسف الدنيا وزخارفها، وفضل الموت بابشع صوره من اجل انجاز الوظيفة الثقيلة التي هي امانة الرسالة، والتكليف الشرعي، ونجاة الامة.

وهكذا كان ولده شهيد الاسلام في العراق والذي لاينكر احد انه نال في كل العالم الاسلامي وحتى في خارج حدود هذا العالم مكانة سامية ، واجلالاً كثيرا ، وحظي بأوسمة الفخار وانواط المجد بأبهى اشكالها واعلاها، فهو رائد الفلسفة الاسلامية المعاصرة ، وهو المجدد الفذ ، والاصولي الفاتح ، والفقيه العملاق ، والمفكر المبدع ، وإمام الصحوة الايمانية .. وقد اشرأبت الى مقامه الشامخ في كبد العلياء اعناق البصائر والعقول ، وتسمرت في جنابه البديع افئدة المدركين ، وهوت اليه مهطعة المشاعر بكل شوقها وعشقها ، وكان في وسعه ان يظل على عرش الاكبار والتقدير، وفي ذلك الملك الباهر الكبير ما أتاحت له الحياة من العمر، دون ان يعرض نفسه لقصر العيش بسلوك درب الفداء والتضحية، وتقديم النفس قرباناً على درب المسؤولية العظمى .

على المنهج الحسيني سار الهمام الفذ صدر المكرمات ، فأحس بالمسؤولية اعمق الاحساس ، وحمل أعباءها باعلى العزم والاقتدار ، واوفر الصبر والاحتمال ... وهذا الامر هو الذي دعاه (كما فعل الحسين) أن ينحو المنحى السري ، ليربي كوادر الامة ، ويثقف طليعتها من خلال التنظيم المحكوم بأصول العمل المتقن الحكيم الذي يجاري آخر فنون العالم في المنهج الحركي ... انه رضوان الله عليه يقول :

(ما هو العمل ؟ ، كيف نعمل ؟ ، ماهي اساليب العمل ؟ ، كيف يمكن تجديد اساليب العمل بالشكل الذي ينسجم مع الامة اليوم ؟ ، نحن نتعامل مع عالم اليوم لا مع عالم عصر المماليك ، اذن كيف نتعامل مع عالم اليوم ؟ ... العمل الاجتماعي يقوم على اساس الحدس الاجتماعي، والحدس الاجتماعي يتكون من الخبرة والتجربة ، ومن الاطلاع على ظروف العالم وملابسات العالم ، اذن يجب ان نفتح اعيننا على العالم ، يجب أن نعيش الخبرة والتجربة في العالم ... الحدس الاجتماعي يتكون من خلال التفاعل مع الناس ، من خلال الاطلاع على ظروف العالم ، من خلال الاطلاع على الملابسات ، من خلال الاطلاع على التجارب التي قام بها الاخرون) .

وكما خرج الحسين (ع) من فترة العمل السري عندما تهيأت له اجواء الثورة فصرح وجاهر ـ قام الشهيد بأحساس المسؤولية ليواجه طغاة البعثيين كما واجه جدّه طغاة بني أمية ، ويتصدى لمشاريعهم الاجرامية التي كان اخطرها ربط الناس بحزبهم الالحادي ، واماتة الشعائر الاسلامية ، والتعرض لحرمات الدين والعلماء والمقدسات ، وسلب ارادة الامة في اختيار طريقها .

واذا كان الامام الحسين (ع) يخاطب المكلفين باسلوبه التحريضي الملفت ، وبصيغة (الا ترون) (الا ترون الى الحق لايعمل به والى الباطل لايتناهى عنه ) فأن ولده الذي تفرع منه ينحو منحاه ، وينهج منهاجه في مسير الثورة حتى في عباراتها وشعاراتها ولحن خطابها .

انه يقول ( إلا ترون يا اولادي واخواني انهم اسقطوا الشعائر الدينية ...؟.

إلاترون انهم ملأوا البلاد بالخمور وحقول الخنازير وكل وسائل المجون والفساد ...؟.

إلا ترون انهم يمارسون اشد الوان الظلم والطغيان تجاه كل فئات الشعب ...؟.

إلا ترون احتكار هؤلاء للسلطة احتكاراً عشائرياً يضفون عليه طابع الحزب زوراً وبهتاناً ؟.

 التحريف والمتاجرة

تعرضت ثورة الحسين (ع) الى أخطر المساويء والاضرار ، واصابها من كيد الحاقدين ، وفعل الجاهلين ، وطمع تجار الدين والعقيدة، وطلاب الدنيا بايات الله وشريعته وتزييف المزيفين ، وتحريف المحرفين ـ أخبث فعال الخصوم في التشويه والاسقاط، واقبحها لدى التجار (استدرار الدموع بالخرافة والزيف لنيل حطام الدنيا) ، ووصل الامر كما يقول شهيد الاسلام الخالد (مطهرى) ان يقتل الحسين بذلك قتلة هي شر من قتلته يوم عاشوراء.

وفي قضية الشهيد الصدر وظلامته الموجعة حصل من التشويه والتحريف والمتاجرة ما يحكم آصرة المماثلة بين ثورته واسوتها واصلها ، ثورة جده سبط المصطفى .

لقد زيد فيها من الامور ماليس منها ، وانقص منها ما هو من صميمها ، ونسب اليه مالم يقله ، ونحي عن الاسماع من كلامه ما ينفع السامعين ، واستخدم الطامعون قضيته تجارة مربحة يُنال منها الربح الوفير ، واتخذه طلاب الجاه جسراً الى امجادهم وبناء ذواتهم ، واعمار وجوداتهم ، حتى ان الكارهين له بالامس والذين لم يكونوا يكنون له الا اللامبالاة او التحفظ ـ صاروا بحكم الحس الجماهيري العارم المنشد الى الرمز الشهيد يثنون عليه ، ويطرونه ، ويذكرونه احسن الذكر في وسائل اعلامهم ومنابرهم .

واذا كان بنو العباس المنحرفون عن اهل البيت قد رفعوا ظلامة الحسين واهل البيت شعاراً لثورتهم ، يستدرون به عطف الامة ونصرتها فحظوا بما يريدون ـ فما اكثر الخطوط المنحرفة عن خط الصدر وعقيدته ورسالته التي اتخذت من ظلامته شعاراً لحركتها ، و وسيلة اعلامية في جهدها الاعلامي ، لتجسد بذلك هي وكل من يسيء الاستفادة من الظلامة دون ان يؤمن بخط صاحبها ونهجه ـ تحركاً عباسياً مشبوهاً خبيث النوايا .... وان ما قيل عن حركة عدنان حسين باتجاه الاتصال بالشهيد قبل قيامه بمحاولته الانقلابية - انما هو اعادة حية للتجربة العباسية التي استغلت ظلامة اهل البيت وحبهم لمآربها.

 الجانب العرفاني في الثورتين

لقد امتلأت ثورة الامام الحسين في كل فصولها بحديث العشق والشوق الى الفناء في المحبوب ، ذلك الحديث الذي كان يردده السبط الثائر مع كل خطوة يخطوها الى المنحر المهيب ، حتى ان من يسمع ذلك يظن ان فلسفة الثورة ليست سوى عملية انتحار من سعار الهيام .

تركت الخلق طراً في هواكا***وايتمت العيال لكي أراكا

فلو قطّعتني بالحب اربا ***لما مال الفؤاد الى سواكا

ويتحدث هذا العاشق المتيم مؤكداً قضية الهوى القدسي كدافع اساس للنهضة ـ عن عاقبة اوصاله :

(كأني باوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء)

فمن كان يرى مصيره بهذا الوضوح لا يقدم على عمل فاشل الا وهو مصمم على فعل يذيب فيه وجوده من اجل هدف يسترخص فيه الموت ، بل يستعذبه ، ويراه وسيلته ومعبره الى غاية رجائه ( ليس يخفى علي الرأي ولكن ارادة الله لا تغلب) هكذا يقول للائميه في حركته نحو كربلاء.

ويحدو ركبه الى المذبح المقدس في محراب عشقه في كربلاء وهو يردد ترانيم الوله والصبابة :

(القوم يسيرون والمنايا تسير معهم) ( لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي)

ويستعذب التنغم بكلمات جده في رؤياه التي رآه  فيها وهو يقول له :

(يا حسين اخرج فقد شاء الله ان يراك قتيلا) (انك رائح الينا عن قريب) وكأنه يمشى بركبه هذا الى اشهى بلغة واسمى مرتجى .... ويقول هذا المتيم الفذ في ضرام الوجد :

(هوّن ما نزل بي انه بعين الله) ليبدي كيف انه يهزأ لغرامه الفريد بكل عنائه وكروبه التي لا تتحملها الرواسي ، ولا تطيقها همة الصبر وان بلغت ذروة الاحتمال . من ير هذا يبصر الحسين صباً مدلهاً اخذ الجوى بمجامعه فضافت عليه نفسه في عصاب الهوى ، وضاقت عليه الارض برحبها ، فلم يجد متسعاً له فيها من الحب العارم الا مذبح القربان ، ومدفن سجنه الترابي الذي يحوط نفسه الوالهة باغلاله ، ويصدها عن العروج الى سبحات التحرر في مقعد الصدق .

ويظلم الحقيقة من يحصر فلسفة الثورة في هذا المضمون ،فانما هي ثورة قائد ابي رافض احتمل أمانة الوراثة للمسؤولية الكبرى ، فقرر ان يثاور الاعاصير الراعدة وهو يخطو في مسار الاداء ... ولانه عاشق معمود ذائب في محبوبه وهدفه فقد طفحت ـ والاناء ينضح بما فيه ـ مكنونات الفؤاد المجذوب ، واستبانت اسرار النفس الوالهة .... وبذلك القلب المشبوب وتلك الروح المفعمة استطاع الحسين ان يصنع معجزة الفداء ، ومن هنا ظن المحدقون في جنبة الغرام انها هي الداعي ولاشيء سواها .

وفي تجربة الصدر استبان عشق المدرسة الحسينية في المواقف التي سماها البعض انتحاراً ، او اقداماً على التهلكه، اوتسرعاً في الموقف ، او غفلة عن فهم الابعاد والظروف .

فكيف يفسر شغفه في ان يتوجه الى صحن جده امير المؤمنين ليطلق صرخات الرفض حتى تسكته رصاصة الظلم ؟

وما هو تبرير العناد الحازم مع ان الطغيان في اعتى قواه ؟

وما هو تسويغ الاقدام الصارخ على الانكار والمواجهة وهو كزورق مهيض في بحر لجي هادر؟

وما هو عذر الثائر امام منطق الاشياء ولغة التدبير حين يتحدى شراسة الكواسر الضارية في غابة تجلت فيها بمنتهى التجسيم شريعة الغاب ويد المتحدي جذاء لاتصاول ، وقوادمه لم تنبت لتسعفه في الطيران ؟

كيف لم يسمع كجده الحسين لنصح الناصحين وتحذير المحذرين الذين تظاهروا بالحكمة ،وتحدثوا بلسانها ، فاعرض عنهم مستخفاً كما يعرض الولهان عن احاديث الوشاة وسمعه مشدود بنداء الوصال ، وعينه واصبة التحديق في طيف الحبيب ؟

على اي محمل يحمل ذلك التصميم القاطع في تلك اللهجة الصارمة ، (لقد صممت على الشهادة ، ولعل هذا آخر ما تسمعونه مني) ، وهو يرى الافاق مكفهرة ، والدروب موصدة ، والانصار قد سيقوا الى المقاصل، ولم يتبق الا الناد والمكعوم، وسيف العدوان المرهف الضمآن يتلظى عطشاً الى نجيع مهجته الطهور، وانياب الوحش الكاسر الغرثان تتسعر من جوع الى لحمه كعسلان النواويس وكربلاء ؟

من هذا كله قد يرى من يقتصر على جانب العرفان في الثورة الصدرية انه المتفرد بالدفع ، والمتوحد بالتحريك ، وان الأمر اذا لم يفسر به فستكون موارد السؤال حول الثورة قائمة على حالها ، ومواطن الابهام في دوافعها مستقرة لا تزول.

ويغفل هذا الرائي بهذه العين عن ان يدير باصرته الثانية صوب التجربة الحسينية التي شابهتها التجربة الحفيدة المتأسية اروع المشابهة ، وجارتها ادق المجاراة ، ليرى فيها اصدق التفسير والتعليل ، ففي الحسين القائد المسؤول يكمن الصدر الوارث ، ومن الوله الحسيني المتضرم يفوح الربيع الطافح بالاريج في مسير الصدر، وفي فصول الظروف المتآصرة ، والمحركات المتماثلة يظهر البيان الصدوق لقصة القدر الازلي ان يكون التماثل بين يوم كربلاء، ويوم النجف مكروراً بعد اعتقاب القرون المتمادية على يد الفاتح الاثير شهيد العراق .

ان خلاصة ما يقال فى الثورتين ـ اللتين حيرتا العقول بعدم ظاهر الانسجام مع الشروط الموضوعية والظروف القائمة ، وطابع التصميم على تحدي الممنوع ، في غير مواتاة للاسباب ، ولا أمكان من القدرة ، ولا محالفة من عوامل التأثير ، .. ودوختا الالباب بانهما ابصرتا نهاية مطافيهما بعين اليقين فاجعتين بلا نظير تخسر فيهما امة الاسلام اماماً معصوماً وعالماً فذاً ـ انهما مسيران منطقيان يقودهما التكليف والمسؤولية العظمى ، وانهما ثورتان جبارتان اريد لهما ان تخلدا مناراً واسوة ، فكان لابد لهما من ان يصنعا ليخلدا ـ غير المألوف ، ويبديا خلاف المعتاد ، ويكون فيهما لينبتا في الوجدان نبتة الجبال الشم ما تحار فيه الفطن من التفسير ، وتذوب له الافئدة من الخطوب والفواجع .

انهما كانتا عمليتين فريدتين مزجتا سطوات الروح الثورية الهادرة بترانيم العرفان ، وجمعتا عرامة الانفعال الثوري المقدس باناشيد الوله للقلب الهيمان ، ووحدتا بين قصيف الرفض المدوي في الميدان ، وغزليات العارف المنسابة من همس الوجدان . وألّفتا بين التعامل مع واقع التكليف ومتطلبات القيادة المستعدة لاداء المسؤولية ، وبين ارهاصات الغيب واحاديثه الملهمة التي تنبىء عن غير ما يرسمه الظاهر للمسيرة من اهداف . قالتا للواقع اننا ننطلق مما يفرضه الحكم الاولي او العنوان الثانوي من اوضاعك ، ولكنهما احتوتا في اعماقهما على حديث آخر قاله لهما البعد الخفي الذي فرض نفسه عليهما من خلال قضية الاختصاص الالهي ، والأثرة الربانية ، والقدر المحتوم الذي ابى الا ان يكون الحسين السبط وحفيده الامين آيتين للثوار ، ومدرستين للاحرار .

دوافع الاصحاب

لقد تمازجت في دوافع اتباع الأمام الحسين للّحوق به ، والفداء على طريقه امور عدة ، الوعي بالواقع الفاسد الذي يراد تغييره، الاحساس بمسؤولية المتابعة للقائد الحق من اجل التغيير ، وروح الاستبسال على سبيل الجهاد مهما كانت التكاليف والاثمان ، وجاذبة العشق التي عبر عنها ـ (عابس) واصفاً اياها بابلغ وصف هو (الجنون) .

لقد تجسمت هذه الدوافع في اثناء المسير الى مكان الواقعة الكبرى ، وفي ميدان المواجهة الاستثنائية ، فانكشفت سرائر النوايا ، ومكنونات القلوب ، وتعرت الارواح في المحك العصيب ، وبانت حقيقة معدنها ، فاذا بها تبدّت رسوخاً لا مثيل له على العقيدة ، وادراكاً فذاً للهدف والتكليف، وولاءاً منقطع النظير للزعيم الهمام الثائر ، وولهاً عجباً الى الفداء معه على نهجه الى غايته.

و ماثلت دوافع اصحاب الصدر اسوتها دوافع نجوم الطف وابطال ملحمة كربلاء ، وكان الشعور بواجب الجهاد، والبصيره بواقع الفساد ، وتصميم العطاء بمنتهى استحقاقه وتبعاته على الدرب المقدس ، والفناء في شخص القائد الرباني حباً ، وطاعة ، وانقياداً يجسم حقيقة التسليم المطلق ـ من بعض سجايا الصفوة الخيرة التي تقحمت مع الصدر على طريق ذات الشوكة بكل الوعي بالمسؤولية ، وبفرط الحب والقداسة والبطولة .

واذا كان اصحاب الحسين قد امتلكوا الصوارم التي شفوا بها بعض الغليل من خصوم الحق والهدف الاسمى، وذبوا بها عن حياض العشق والمعشوق ، وادركوا ولو مقدار هباءة من حجم الثأر الهائل ، لكن اصحاب الصدر لم يكونوا يمتلكون الا الايدي الخالية ، والصرخات الابية المدوية ، والرفض الفذ الجاهر ، والاباء الصلب المستعلن ، وخاضوا لهيب المعركة بقوة الضمائر والقلوب ، وروح اليقين والصمود ، وفورة الوله والولاء ، في واقعة استثنائية على خطى ذلك الاستثناء الكبير الذي صنعه لهم ولقائدهم الصدر سيد الاحرار (ابو عبد الله الحسين) .

لقد ضم ذلك الموكب الطفي الالهي الذي لمع في الوجود لمعان الكوكب الدري في سماء الحقائق  الباهرة صنوفاً شتى من المريدين والتابعين ، تنوعت بين الرجل والمرأة ، والصغير الكبير، و الاسود والابيض ، والمتعلم والامي ، وذي القدم المتقدمة في الاسلام وحديث العهد به ، والناصر منذ البداية ، والمحامي الذي كان من الخصوم.

لقد كان هناك الـ (72) رجلاً ، وكانت نسوة آل البيت وبعض النساء المناصرات ، وكان الى جانب الوجوه الحسينية الزهر لسلالة الرسول وانصارهم ـ وجه جون الاسود والذي لم يكن له نصيب من الحسب .. ويقف في الساحة مع الشيخ اليفن الكبير (حبيب) الشبان واليافعون من الذرية الطاهرة وحماتها ( على الاصغر ، القاسم بن الحسن ، محمد بن ابي سعيد ، عمر بن جنادة)..

ويمْثل في ذلك الحدث الجسيم بضعة النبوة ، وقاريء القرآن ، وصاحب الجهاد ، مشفوعاً بجديد الخطى على الطريق ، والذي لم يعرف المسيرة الاّ وهي تتقدم نحو حومة الصراع ومعانقة الاسنة ـ بل كان فيها الحر الرياحي الذي نفذ بعض المخطط الاموي في حصار الحسين ومنعه من الاختيارات الاخرى في مناورة ثورته وحركته باتجاه الهدف .

ويقف الرضيع في الثورة من انصارها المضحين حيث يجعله الحسين وسيلة ضغط بارعة ورقم ادانة رهيب ، فيجعله المجرمون بالمقابل اداة ارهاب ، ودليل اصرار على الجرم الى منتهى العناد . وتتجسد في الثورة الحسينية حقيقة الدور الباهر للنصف الثاني من اتباع الرسالة ودعاتها وهو (المرأة) ، فكانت شريكة في الصراع الطفي ، واختلط دم المرأة هناك بدم الرجال فيه ، لقد قاتلت زوجة جنادة السلماني بعد زوجها لولا ان ردها الامام الحسين (ع) ، وسال دم زوجة عبد الله الكلبي الى جوار جثمانه .

وحملت المرأة مشعل الثورة ورايتها ورسالتها بعد ان انكسرت في الظاهر ، وخمدت اصوات الثائرين بعد استشهادهم ـ حيث ابرز الدور الزينبي لاخت الثائر جسامة المهمة الملقاة على عاتق المرأة المسلمة في خدمة الرسالة وحمل أمانتها ، ومدى القدرة على اداء ذلك الدور بأفضل الوجوه ، والتأثير فيه بالغ الاثر.

وفي ساحة ثورة الشهيد الصدر تجسد لكل لون من الوان التشكيلة الحسينية مصداق ومثال عمّق روح التشابه ، واضفى على التماثل جمالاً باهراً ياخذ بمجامع العقول التي تتملى في جلال التناظر بين عاشوراء القرن السابع وعاشوراء القرن العشرين ، وبهاء التناسخ الرفيع عبر هذه الفاصلة الزمنية الممتدة .

لقد شارك الصدرَ في مسيرته الدامية العصيبة اصناف تلك الكوكبة الكربلائية التي وضعها الفخار تاجاً على رأسه ، وتشرف الشرف الرفيع بطهرها ، وقدسها ، ونقاء ذيلها ، وامتناعها على العيوب والمشينات .

لقد ساهم شباب الجامعات واصحاب الشهادات بالدور الاوفر في الحركة الصدرية الفذة الى جنب البسطاء من الناس والاميين ، واشترك فيها الفتية الرساليون في صف الكهول والشيوخ ، وساهمت المرأة مساهمة زينبية رائعة جددت للعصر تلك الوقفة الخالدة ، شريكة الرجل في اسطورة الفداء الكربلائي ، فساهمت ، وتحركت ، وصرخت ، ومدت يد البأس ، وحاولت ، ووقفت في النهاية امام المشنقة لتنال الشهادة السعيدة. وكما كانت اخت الثائر في كربلاء وريث الراية وحامل المشعل ، كانت اخت الثائر في النجف تعيد الدور . وتخرج التأسي الرائع بارفع صورة وادقها في المحاكاة ، واعادة التفاصيل الغابرة الغائرة في عمق الزمن السحيق حية كأنها بنت اليوم.

واستعلن في الملحمة الصدرية نداء الذين لم يعرفوا خطه الا بعد ان التقوه مصادفة او مدفوعين ، فآمنوا به وبنهجه ، ووضعوا ايديهم في ايدي انصاره القدماء ، ليماثلوهم في البذل والعطاء.

وكثر في المسار الصدري امثال الحر بن يزيد الرياحي من البعثيين المستغفلين ، ممن انّبتهم الضمائر، واصاخوا لنداء الوجدان ، وامتلكوا شجاعة التعبير عن الندم فصاحوا صيحة الرفض لتمتزج هادرة مع صيحات السابقين المقربين، ليكون المثال واحداً ، مساهمة تاريخية في الموقف الكبير ، وسعادة أبدية ليس لها مثيل في الكرامة وشرف الدارين.

وبرز دور الاطفال والرضع في الثورة الصدرية حين استخدمهم الملاحدة الحاقدون وسائل ضغط وعنف ضد آبائهم وامهاتهم ، ومارسوا في هذا المنحى ابشع الوان الجريمة ، وافظع صور الارهاب ، وقضى اولئك الصغار الى جنب ذويهم شهداء سعداء يتلون آيات الفداء على منهج الصدر من وحي الولاء.

وكما ادى أهل المقام والشرفاء من ذوي الحسب الرفيع واصحاب الجاه في الرحلة الصدرية الى رحاب المجد من ذرية الرسول وسلالة الاحساب العريقة ، وعلى رأسهم صدرهم ـ دورهم السامي ، كان الى جوارهم فيه بل امامهم احياناً في السبق الزمني المغمورون ، ومن لم يكن لهم نصيب من سجية المعروفية في مكانة او جاه او مقام اجتماعي ، فالكل آمنوا ان الشرف الحقيقي هو الايمان الحق ، وخدمة الرسالة ، واداء الامانة ، واحتمال الاذى في جنب الله ، وان اكرم الناس عند الله اتقاهم ، واوفاهم له بما حمّلهم وأئتمنهم.

 القائد وموقف الامة من النصرة

لقد طلب الامام الحسين (ع) النصرة من الامة لموقفه التغييري في حدود من استطاع ان يوصل اليهم صوته المستغيث من اجل الحق ، من اهل الكوفة والبصرة ومن صادفهم في الطريق ، وكان رد السامعين متفاوتاً على عدة حالات ، هناك الطاعة المطلقة ، والاستعداد التام للتضحية من انصاره الاوفياء سواءً منهم من سبق علمه به وكان له به علاقة وثيقة من حب وولاء ، ام من لم يعرفه الا في لحظة عابرة على منهل من المناهل او في منحنى من منحنيات الطريق الى غايته ، فمال اليه ينصره ، بل ان فيهم كما يروي التاريخ من لم يكن على صلة بدين الحسين لانه مسيحي العقيدة (وهب النصراني) ، فمال الى دين الاسلام ليدخل فوراً بلا مقدمات الى حلبة الصراع من اجل الخط السليم ، ويقدم شاهد الصدق على الايمان في معركة الحق ضد الباطل - نفسه الزكية ، ومنهم من كان كارهاً له ولابيه ، عثماني الهوى ( زهير بن القين ) . وحيث انطلق مع الحسين في مسيرته تلك حديثو العهد به ـ خذله بعض العارفين به متفضلين بالنصائح ، وتخلى عن نصرته بعض المدركين لحقيقته واهدافه محذرين من العواقب ، وحاد عنه الكثير من المبايعين له، ومن دعوه لامامتهم وقيادتهم في معركة الخلاص من الحكم الاموي الغاشم .. وكان هناك المتفرجون الذين لم يكونوا له ولا عليه على الحياد بينه وبين خصومه ، والى جنبهم المتربصون الذين يأملون كعبد الله بن الزبير ان تكون نتيجة الصراع انكسار الحسين لتخلو الساحة منه رمزاً ينافسهم ويكتسح الساحة اذا حالفه الحظ ، ونال من اعدائه حيث يحب . وبقيت الطائفة العاجزة المأسورة التي تحبه وتميل اليه بقلوبها ، ولكنها بوازع الخوف تحولت الى جنود مجندة ضده ، شاهرة سيوفها مع مناوئيه ، وهي التي عناها الفرزدق بقوله للحسين وهو يشرح له وضع الناس في الكوفة ازاءه (قلوب الناس معك واسيافهم عليك) وكان هناك الذين ارادوا النصرة لكن الظروف القاسية منعتهم من ادائها ، وحالت الحواجز بينهم وبين المثول معه في الصراع مستبسلين في الدفاع ، ثم استطاعوا بعد ذلك حين واتتهم الفرصة بعد تأليبهم القاعدين والخاذلين على التوبة ان يعبروا عن الغضب المارد على قاتليه في حركات استشهادية قد يصفها البعض بانها انتحارية ، تأججت فيها نار الندم على فوات الاوان ، ولوعة الخوف من التقصير ، والرغبة الجامحة بالعفو الالهي ، ونيل شفاعة الحسين وجده وآله الكرام.

وقد نالت احدى تلك الحركات ما ترجو من الانتقام ، وشفت بعض الغليل من الرموز المدبرة لفاجعة كربلاء.

وفي قضية النصرة التي ارادها الصدر لخطه وثورته تماثلت الاجواء ، وتشابهت النفوس ، وتناظرت المواقف ، .. فوجد الصدر من الانصار من ذوي السابقة والبصيرة به ممن اخلصوا وضحوا ، ووجد كذلك من ليس لهم به اية صلة قديمة انما عجلان ما عرفوه فعرفوا الالتزام ، وعجلان ما استشهدوا بين يديه على نهجه .

والفى الصدر في ساحة الموقف منه من خذلوه وهم يعرفونه ، والفى من ظلموه واغروا به وهم يدركون حقيقته ، حسداً من عند انفسهم ، لانهم كرهوا فكره وخطه ، او لانهم احسوا فيه المنافس الذي يخشى من وجوده على وجودهم ... وعاد في مسار الصدر المتفرجون الذين تعاملوا مع جده الحسين بلا مسؤولية، ليكون لهم ذلك الموقف مع الصدر ، وعاد كذلك المتربصون الذين تتمنى قلوبهم ان يكون حتف الصدر المبكر في صراعه ، ونهايته العاجلة في نهضته .

وتجدد في التعامل مع الصدر العاجزون والخائفون الذين تحبه افئدتهم ، وترجو له النجاح في انطلاقته ليحقق لهم الخلاص ، ولكنهم لا يحركون ساكناً في نصرة المحبوب اذا استدعت ما يعرضهم للعنت وسيف السلطة ،لخنوعهم وخشيتهم ، ولو دعاهم الطغاة الى حمل السلاح في وجهه لحملوه ، ومن غير البعيد ان يكون في الذين حاصروه في بيته او استغلتهم السلطة ضده من كان يضمر له الحب العاجز عن التجسد ، المأسور للخوف والضعف .

لقد ذهب وفد الصدرالى مدينة الثورة يطلب نصرتها بمظاهرة تأييدية  وقد سمع القائد ان له في بغداد مليوني موال وناصر ، وتلكا أحد وكلائه في تلك المدينة ، وامتنع عن الاجابة وتحريض اتباعه على المنشود ، ثم انعزل عن الساحة مختفياً .. ولم يخرج للمظاهرة المرجوة من مجموع الناس الا جنيد متذائب سرعان ما اتت عليه عاصفة الحنق البعثي فلم يقاوم ، واضمحلت خطاه ، وانهار مسعاه دون هدفه.

ومن الطريف في التماثل ان عدد مبعوثي الحسين عليه السلام لتحريك الثورة في الكوفة معقل الناصرين كان ثلاثة ( مسلم بن عقيل . عبد الله بن بقطر . قيس بن مسهر الصيداوي) وكان هذا هو عدد الذين ارسلهم الصدر لتحريك انصاره في مدينة الثورة للقيام باول مبادرة ثورية على مستوى تظاهرة ضد النظام ، فقد بعث الصدر ثلاثة من محبيه للاتصال بوكلائه وشيعته في تلك المدينة الثائرة ، وإبلاغهم رسالته اليهم .

وقد وجد الصدر كذلك من المحسوبين عليه من يطلب منهم النصرة في مستوى الخروج وكلاء عنه للأمة عندما حميت وطيس نشاطه ، واشتد اقبال الناس عليه ، فيرفضون لحقيقة الخوف الكامن وان تذرعوا بالدرس وشؤونه ، ورفضوا كل بيانات الصدر الشافية لهم عن ضرورة الخروج بحكم الشريعة، ومتطلبات الواقع ، وحاجة الامة ، ولم تهزهم الامثلة الي ضربها لهم في بعض مريديه الذين استجابوا فخرجوا وأجادوا العمل .

 وبقي الذين احبوا الصدر بصدق ولكن حجزتهم عن النصرة اطواق السجون ، وقيود الموانع ، وحوائل المهاجر، والمنافي البعيدة ، فوجدوا واجبهم ان يبذلوا وسعهم في الثأر فألبوا محبيه ، واستنصروا للثأر اولئك الذين اعاد بهم التاريخ قضية التوابين ولقبهم ، ليجسموا في جهد الانتقام ارفع مصاديق البذل والعطاء ، وخير امثلة التضحية والفداء ، ويذيقوا طغاة بغداد الأمرّين ، ويكحلوا اعينهم بالسهاد، ويمزقوا قلوبهم بسهام التبريح الذي لم يكونوا يحسبون له اي حساب .

واذا كانت الامة في معظمها قد غابت عن الحسين فكراً وثورة بفعل جهلها ، وغياب الرشد الحسيني عنها لفقدانه وسائل الاعلام التي تتحفها به ، ولعوامل التضليل ، وتأثير مساعي الوعاظ المأجورين لشدها بمن يسمونهم لها ولاة الامر من حكامها ، وتخويفها من عواقب الخروج عليهم دنيوياً واخروياً ، معتبرين كل متعرض لهم بالنقد والبأس (خارجياً) ملاماً في الدين ، مستحقاً للعقاب ـ اذا كان الامر كذلك فقد غابت الامة في معظمها عن الصدر بمثل الدواعي الآنفة، فلم تتوفر له وسائل الاعلام المطلوبة ليشرح للأمة فكره التغييري ، وبرنامجه السياسي ، ومشروعه لنجاة الامة ، ولم يحظ رضوان الله عليه اول امره بوكلاء له ومبلغين عنه كما يرجو في اوساط الناس يشدونهم بالرمز ، ويربطونهم برسالة القائد ، ويصلونهم بأهدافه ، ومايريده للبلاد والعباد من خلاص وسعادة في الحل الاسلامي الذي لم يزل الامل الذي لايجد له مجالاً للمثول في الواقع نظاماً مطبقاً ، وشريعة مبسوطة الظل ، وحتى اولئك العلماء او الوكلاء الذين كانوا صدريي الهوى فانهم كانوا يتسترون في مواقعهم بالارتباط بغيره من المراجع خشية من السلطة ، فلم يكونوا بحكم ذلك يستطيعون ان يظهروا الدعوة لمرجعيته، أو يمارسوا التبليغ لافكاره وغاياته، ليدعموا معالم خطه بالارساء ، ونفوذه بالامتداد، والدعم المالي من الحقوق التي هي السند الاساس للمرجعية واقتدار المرجع المادي ... نعم حين اتاحت له الظروف فيما بعد الثورة الاسلامية في ايران ان يخرج بعض طلابه ومريديه وكلاء عنه وفي حدود ضيقة ، وان يستقبل بعضاً من وكلاء غيره ليتشرفوا بالوكالة عنه بحكم ضغط الواعين والجمهور المحيط بهم، وحين احس المجرمون ان الخطر الاسلامي الحقيقي قد اوشك ان يداهمهم في الداخل مستعيناً بالدعم المعنوي من الوجود الاسلامي القائم في ايران ، ومن الصحوة العارمة التي اوجدها هذا الوجود المبارك في كل العالم الاسلامي ، وفي بلاد الرافدين بالخصوص بحكم العلاقة الدينية المتأصلة ، والارتباط المذهبي، والجوار الجغرافي ـ بادروا الى القضاء على هذه الوقفة اليتيمة في مهدها ، فحرموا الصدر من وسيلته المهمة (الوكلاء) للارتباط بالناس ، وتوعيتهم وربطهم بالقيادة . فما اشبه الليلة بالبارحة !، وما اعجب التماثل بين جهد الحسين في اسماع الامة ولو في اوساط محدودة كلمته من خلال مسلم والصيداوي وابن بقطر لتحس سلطة الجور بالخطر الداهم ، وتبادر الى وأد هذا الجهد في ايامه الاولى التي رأى فيها الوجود ، ونال شطراً من المرتجى ، وحقق للقائد جزءاً مهماً من الهدف وبين جهد حفيده السعيد في هذه السبيل ، وما اعترضه فيها من الحوائل والمنغصات .

 الايثار الفذ

ان القيم الشامخة في الحياة هي شموسها الساطعة الهادية للنفوس في دياجير المسيرة البشرية، وان المعاني السامية للفضائل هي كؤوسها الدهاق التي ترتوي منها الضمائر الضامئة الى شربة الاشراق في السمو الانساني ، بل هي معارجها الفريدة التي تظهر عليها لتطّلع الى كبرياء الارادة التي اصطفى بها العليم الخبير هذا الانسان ففضله على كثير ممن خلق تفضيلاً بيناً امتاز به من دونهم بالقدح المعلى للشرف الاسمى . وكلّما استدعى نيل المحامد الخلقية وشرفها وسام الصدق فناله من طلابها الحافدين الى ذرى المعالي بالتضحيات ومآثر البذل ـ كان ذلك ادعى الى استجلاء سرالعظمة في النوايا الرفيعة ، والهمم المتعالية المشرئبة الى الافق الاعلى دوماً . وان لم يكن الايثار اسمى الخصال في قاموس المحاسن الآدمية فهو في الساميات منها ، المتربعات على عروش الاعظام والاكبار، يهفو اليها الالهام العملاق يطوف في رحابها، غارقاً في سبحات النور والعبير والشعور.

واذا كان الايثار ان تؤثر غيرك على نفسك بالنفيس لتكون سيداً بالفضيلة الرافعة ، فانك اذا آثرت سواك بنفسك فذلك مالاتبلغ شأو علاه غاية سعي الخيال النافذ ، ومنتهى اقتدار  الفطنة في اكتساح اغوار الحقائق، والامتداد في مدياتها لبلوغ عليائها .

لقد آثر الحسين في ليلة الخلود قبيل ساعات من ملحمة العلى غيره من اتباعه على نفسه ، ورجّح حياتهم على حياته وهو في امسّ الحاجة الى الناصرين والحماة والاعوان ومن يذب بهم عن نفسه وحرماته ، حيث احتوشته عسلان الفلوات لتقطّع اوصاله ، وتملأ اجوافها من لحمه، انها ساعة لامثيل لها في ساعات الزمن مذ انجبته الحركة والى يوم الناس هذا ، ضمها اليه من لدن ان بزغت من فجر العجائب الحسينية ولا يزال يشم فيها عطر الكمال والبهاء يتأرج من ربيع النبوة التى ورث منها سبط اهل بيتها عصمة الالهام ، وسداد الموقف .

ما أروعها تلك الساعة التي جمع فيها الحسين اصحابه ليقول لهم على زجل ملائكة الدهشة والاعجاب ، وخشوع الكون المصغي برعشة الوجدان المجذوب :

( اما بعد فأني لا اعلم اصحاباً اوفى ولا خيراً من اصحابي، ولا أهل بيت ابر ولا، اوصل من اهل بيتي ، فجزاكم الله عني خيراً ، .... الا واني قد اذنت لكم ، انطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من اهل بيتي ، وتفرقوا في سواد هذا الليل ، وذروني وهؤلاء القوم فانهم لا يريدون غيري).

ويكرر الحسين هذا المشهد المعجز امام جون حين يقول له (انت في اذن مني ، فانما تبعتنا للعافية ، فلا تبتل بطريقتنا)

ويطلق صيحة الايثار امام بني عقيل فيقول لهم (حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم ،اذهبوا فقد أذنت لكم).

وتمر الساعات في اطواء القرون لتعلن تلك الساعة الشريفة عن ظهورها الباهر على يد الفاتح المجدد سيد شهداء العصر، في موقفه الايثاري الذي كشف فيه عن طهر نيته ، وسمو غايته ، ورفعة شعوره ، وجلال نفسه الزكية ـ حين توسم الشر في مكر الجلادين عندما رفعوا الحصار عن بيته مؤقتاً ليصطادوا به اولياءه الذين يجذبهم الشوق الى زيارة زعيمهم وحبيب قلوبهم ، وحيث كان هو واهب الحرية ، واستاذ الجيل في درسها، يتوق اليها ليخرج هو واهل بيته من اغلال الجدران في سجن الدار ـ يحس ان في غُنْم حريته غُرْم احبائه وعاشقيه ، وان راحته امست احبولة الجناة يظفرون منها بانصاره ، من هنا امر باغلاق باب داره عليه ليديم على نفسه الحبس ، ايثاراً فذاً لا مثيل له في المكرمات ، وتضحية بهية توحدت بوسام الشرف الرفيع. وقد اصر العادون على ان يبقى الباب مفتوحاً لغايتهم الدنيئة، فأصر هو على غلقه لغايته العلية ، وقطع دابر الشر الذي يحيق باصحابه .

ويشرق علينا من افق الايثار الصدري بدر من بدوره النيرة بهالة ساحرة من الشموخ ـ حين يعلن الصدر لأمام الثورة الاسلامية وقائدها في ايران انه (الصدر) وهو عملاق الفكر الاسلامي ، ورائد الصحوة القرآنية ، واسد الثورة الأيمانية ، وزعيم التيار العامل في العراق ، وصاحب الاوسمة الباهرة ـ يضع وجوده الفذ هذا في خدمة وجوده الكبير ، هذا حيث نعلم انه قلما وجد عظيمان لم يعصمهما الله قد ضحى احدهما للأخر بكيانه ، او توفر عالمان او مرجعان اسنى الواحد منهما لصاحبه ، او مدحه في حياته واشاد به ، او رضي ان يعطيه سلطانه وامتداده ، او يتنازل له عن شيء منه ، اولا يغتاظ اذا احس بان شيئا ً منه يفوته لغيره ، او ان سواه يزاحمه عليه لا بالعمد بل بطبيعة الامتداد العلمي ، وبحكم توجهات الناس نحو الاعلم والاصلح . نعم طالما كان هذا ، وشذ عنه في النوادر السنية والاستثناءات الفذة رائد الأيثار واسوة المضحين بارفع الوان التضحيات .وقد امر الصدر اتباعه ومريديه ان يذوبوا في الامام الخميني كأنه يتنازل عن حبهم وتأييدهم وقلوبهم التي تسبح في فلك هواه لذلك الزعيم المنتصر، رافع الراية ، ومبسوط اليد ، ولم يكتف بان يقول لهم (احبوه) بل اراد منهم ما لم يرده لنفسه ، ذلك هو الذوبان .

يطلع هذا الوجه الرائع للتضحية والعطاء الوتر من علياء الكمال الصدري ليسحر القلوب ، ويبهر النفوس ، بل يدوخ العقول ، ينضاف الى روائعه التي هي نشر الربيع، وزهو ريح الصبا ، وهمس الندى فى توالي الدجي ، بل لذة العاشقين في السَحَر المهيب ، وسكرة العابدين في نجوى الحبيب.

وتباري فرس الرهان هذه في مضمار الامجاد الصدرية افراس شموخ اخرى توشك ان تسبقها لتفوز بالجائزة السنية ، فهو رضوان الله عليه بدلاً من ان يطلب من قيادته النائبة التي عينها في حياته لانه مضح يطلب الشهادة وينتظرها لحظة بعد اخرى ـ ان تبقى مكانه في ارض الوطن الملتهب ، ليخرج هو الى ارض الامان يصدر البيانات ، ويوجه الرعيل ، ويسدد الخطى ، ويبقى للمسيرة والفكر والعبقرية يهبها من عطائه ما يغنيها باشهى المراد ـ يطلب منها بدل ذلك ان ترحل هي الى الظل الآمن تتربص يوم استشهاده لتؤدي ما يلزمها قبل ذلك وبعده ، لانه يرى ان القتل على طريق النصر مصيره المحتوم الذي طلبه مصراً بالمجاهدة الدائبة العنيدة ، ورآه عياناً في تصميمه، والهامات القلب المتصل بفيوض الرشد والسداد.

اين من هذا الفداء والايثار المذهلين بروعة التعالي كل الوانهما في طول التاريخ وعرضه ؟.

وهل كان الانصار والمؤيدون الاّجُنّة القائد ووقاءه ؟.

وهل كان القادة في الاغلب الا وراء الدرع الحصينة من المريدين تحوطهم من الشرور، وتحميهم من الغوائل ، لان عليهم أو لهم على الاقل ان يبقوا ليديموا الصراع بفكرهم وحنكتهم وتدبيرهم ؟.

  عقدة النقص في دوافع الاعداء

حين تعدد المباعث الخفية والعلنية التي تكمن وتظهر وراء قبائح الافعال وعظيم المنكرات والجرائم التي جرت في التاريخ ضد الاخيار، والمصلحين، والرموز الكبيرة ، والشخصيات الرفيعة ، واصحاب الكمالات الباهرة ، تكون عقدة النقص، ويكون الاحساس بالحقارة اهم العوامل المستورة الكامنة في اعماق اللا شعور ، والنابتة في مخابىء النفس واغوارها البعيدة المختنقة بظلمات الشقاء المرير ، المتوفزة للتفجر المدمر بصواعق الحسد المغيظ، والحنق البغيظ، والكراهية المسعورة لكل خير وجمال .

وتتبدى هذه الحقيقة في تاريخ الصراع الاموي الهاشمي ، وتتجلى بافظع صورها واعلاها في الانفعال المناويء الذي باء به محمد المصطفى من ابي سفيان ، ويمتد هذا الداء الذي استطاع النبي ان يكلس جرثومته بمادة المقاومة الضارية ، ليظهر بعده في فرصة سانحة سمحت فيها لتلك الجرثومة ان تعود في بيئة الاوضاع التي تبدلت ، وعاد تأثيرها من جديد، حيث تعطلت كريات الجهاد البيض عن الدفاع ، واكتسحت الساحة غمرة الاوساخ الجاهلية التي ارجعها الحزب الاموي من جديد من مزبلة التاريخ ، هناك حيث دفنها رائد التوحيد ومنقذ الامة من عمايتها وشقاوتها.

وتشتد ضراوة البلاء العائد في الاحقاد التي رفعت شعاراتها جاهرة تنادي بثارات بدر ، وتكشر عن أنياب الغيظ على الغريم القديم الذي أذال مجدها ، واهان كرامتها ، ووسمها بميسم ( الطلقاء)، وجعلها التابع الذليل ردحاً من الزمن . وكانت حماقة يزيد شجاعة جريئة اذ ابدت المكنون، وأزاحت الستر عن الخبيئة ، وكسرت طوق الحذر من المكاشفة ، وازاحت اثقال المصانعة والتدليس والادهان مع الرسالة ، فعرّت النفاق المضمر، وفجرت الضغن المكبوت ، وابدت الحرب الصراح البواح .

وليس ينسى يزيد وأزلامه كما ابوه وجده ذلك الانكسار الاموي التاريخي امام النصر المحمدي الهاشمى الاغر ، ولا يغيب عن باله العاهات النفسية والجسدية التي يكابد عصابها هو وآباؤه ومن على شاكلتهم من لفيفهم في مقابل تلك المحاسن النفسية المشرقة، وافانين الجمال الروحي والبدني التي تمتع بها رموز الخط المناويء، ولم يكن يملك هو ازاء ازّها الدؤوب الواصب الا ان يجسد التفاعل معها ، والانسياق لها بمصداق الطواعية التامة المنسابة انسياب الماء في منحدر الى واد سحيق .

وتجددت في دواعي الوقفة الطاغية لجناة العصر ضد رائد الامة في العراق (الصدر) قضية العقدة الرهيبة (عقدة النقص) في اشخاص لم يكونوا الاّحثالة من كل زريّ ذميم من الساقطين والمنحطين وذوي المستويات الرديئة في كل مايتمتع به البشر الأسوياء من مزايا وصفات مقبولة ، فانت ترى ثمة النسب المشبوه بل الذي قامت الامارات والاشارات على فساده فصاحبه دعي ، وتجد هناك السقوط الاخلاقي كأن هذه الزمرة الماجنة فيه جراثيم تسبح في مستنقع اسود ، وتلفي في هذا الحضيض الجهل والحماقة والانحطاط في شأن العلم الثقافة والمستوى الدراسي ..... فكيف تفعل مثل هذه العصابة لتنفس عما في نفسها من كراهية الحياة الفاضلة ، للنقمة من كل خير وفضيله وكمال ؟ ، وماذا يمكنها ان تصنع وهي تبصر بعين قبحها وبشاعتها الذاتية ذلك الجمال الخلاب في الشخصيات الرفيعة التي تزينت بنجوم القيم، وكواكب الاخلاق ، ودراري المعاني المحلقة في سماوات الالهام الممتدة !.

وماذا تصنع وهي البغيضه الشوهاء ازاء الصدر حبيب القلوب وآسرها بكمال نفسه ، وحسن خصاله ، وشرف محتده، وجلالة اصله ، وشموخ شخصيته بالعلم البارع ، والفهم الرائع ؟.

وكما عبر الناقصون المحنقون الذائبون في مصهر الحقارة من بني الشجرة الملعونة ـ عن مصيبة بواطنهم المدخولة، وقلوبهم العليلة بمنتهى القسوة على اهل الكمال ـ كذلك بادرت سليلتهم عصبة الشؤم والرذيلة بفرط غيظها على الخير الذي لا تجد لديها شيئاً من نسيمه العابق ، ولا شروى نقير من وجوده الكريم ، فصبت احقادها البركانية من خلال الانتقام من الاخيار الذين اكرمهم الله بكرامة الدنيا والآخرة

وقد تحدث هؤلاء المعذبون بصغارهم وسقوطهم عن قبحهم الذاتي بلسان بعض الامور التي تفوق كنايتها صراحة المباشرة في لمس المعاني ، فنمقوا ظواهرهم بالرتب المزورة ، والشارات المفتعلة، واعطوا انفسهم ظلماً وافتراءً علقة النسب الارفع بالدوحة النبوية ، وزينوا اشكالهم المقيتة بالاصباغ ، وسعوا قدر جهدهم لارضاء العقدة المذكورة باذلال الشرفاء ، واهانة الوجهاء ، واحتقار ذوي الكرامة ، ومعاملتهم بكل سوء، وممارسة البطش بمن لايعير لهم الاهتمام الذي يروي ظمأهم في رمضاء ارواحهم الحقيرة ، وهاجرة قلوبهم السافلة ، وكلما ازداد الاعراض عنهم زاد النكال منهم مدفوعين بتلك العقدة التي تريد ان تفرغ شحناتها من خلال واقع يرضيها ولو كان مصطنعاً ، وكمالات تتبدى بها ولو بالشكل والظاهر ، ومناقب تطرى بها ولو كانت زائفة مدعاة ، فالمهم لديها ان تخرج من قائمة من تقتحمهم العيون ، وتزدريهم الابصار ، وتترفع الشفاه عن نبزهم لحقارتهم ، ويعاملون بالاهمال كما سقط المتاع، وتوافه الاشياء .

 فن الثورة

لقد طلع الامام الحسين على الامة بشيء جديد في عالم الممارسة للمسؤولية، وحمل الامانة ، والتصدي القيادي ، الاهو التدبير للثورة المقدسة ، والمبادرة الى قلب الاوضاع بالعنف الثوري ، والاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس في المواجهة ضد الطغمة الحاكمة ، وضرورة العودة الى حكم الله ، واقامة النظام الحق ، وقيام العالم الرباني البصير ببذل قصارى الجهد من اجل توعية الامة ، وتوجيهها ودعوتها الى تحمل اعباء التكليف الشرعي مع اخيارها وشرفائها لتصحيح الاوضاع ، واعادة الامور الى نصابها.

وحين وجد الحسين فرصة التحرك والناصرين احس بأن التكليف يملك زمامه بقوة الوجوب والالزام ، فبادر الى اغتنام الفرصة ، واجابة الموالين وطلاب الخلاص بالتأييد و الرضى . والتصدي معهم ، والاخذ بقياد المبادرة في عملية الثورة التغييرية ، وبعث رسله اليهم بعد ما كاتبوه وجاءته رسلهم لتشرح له الاوضاع ، وتبين له الاستعداد، وتعطيه صدق التوجه المفعم بروح الولاء له ، والعداء لخصومه ، وحب البذل على طريق المواجهة الحاسمة، ومن هنا اعطى الحسين تاريخ الامة بعداً جديداً كان لا بد له منه مادام الانحراف الاموي المتربص بالرسالة منذ عهد النبوة قد وجد الفرصة سانحة ليعيد امجاده المذالة بيد القهر المحمدي الفاتح ... واشرع الحسين الباب على مصراعيه للثوار ليدخلوا حلبة الصراع الثوري مع الطغاة بعدما ضرب بعصا فدائه وفتحه المقتدرة صخرة الواقع الهامد ليفجرها عيوناً من الوعي ، والجرأة ، والتحدي ، والاسترخاص ، واليقين بالنصر وبلوغ الاربة الشريفة من خلال صب زيت الدم المقدس على هيكل الانحراف ليقدح فيه زناد الثورة ، فيحول المشهد الى لهيب لا يعرف من يغشاهم سبيل النجاة من غلوائه .

وعلى منحى الامام المجدد الفاتح الباعث للتاريخ ، كان سليله الذي ابى الا ان يقّر عين ابيه بعمق التأسي ، وصدقه فيكون مجدداً وفاتحاً ايضاً ، ويطلع على الامة بشيء جديد ينال فيه شرف الخدمة الرسالية في ادق صورها ، وأبهاها ، واخطرها، واكثرها عرضة للطعن والنقد ، والمخاطر من الجهل الاحمق ، والعبادة الرعناء ، والنسك المتهتك، والمواجهة الحامية التي يخوضها الكفر الطاغي ضد هذا الخط المقدس الاصيل الذي يجسد عصارة الهم الرسالي ، وروح التغيير المحمدية ، وبسالة الصمود العلوية ، وعطاء الفداء الحسيني.

لقد رأى الواقع في الصدر الملهم منذ بواكير همومه الرسالية مفاجأة التصدي السياسي ، والعزم على المواجهة للانحراف بالاساليب المدروسة ، وطرق المقاومة والنفوذ التي تناسب المرحلة الجديدة من استشراء الغي ، وبفنون النضال والسعي الدؤوب لبلوغ الهدف وهو استلام زمام الحكم ، وبسط الارادة ، ومن ثمّ تنفيذ المشروع السياسي المرسوم ، في افادة ذكية من الفن الحركي الذي جرّب الواقع نجاحه الباهر ، فتوجه الصدر لتنظيم صفوف الامة من خلال اطار سياسي سري ينتمي اليه في البدء طليعتها وشبابها والواعون والمثقفون فيها ، يمتدون خلاله الى كل جسد هذه الأمة بثقافتهم ، ومشروعهم الالهي عروقاً نابضة

بدفء الوعي ، والبصيرة ، والتسديد، والشد الرسالي الواثق الحكيم ، وانهاض الهمم الايمانية ، وبعث الروح الحسينية الثائرة على درب التغيير، وانارة العقول بأضواء التاريخ الامامي الذي اشرقت فيه الفصول الخالدة من حياة ائمة الهدى انواراً على طريق الثورة ، وممارسات كاشفة على المسار المطلوب من اخيار الامة سلوكه في زحمة المسارات ومتاهاتها ـ فان الصدر المسدد بعمق الوعي، المتسلح بروح الفهم الواقعي لمضمون الرسالة ، المتدرع بجبال التصميم على اداء التكليف ، المتربص على جناح نسر للانطلاق ، والمتأهب على حشا بركان للوثبة ، قد طلع على واقعه بفكرة التغيير من خلال ارقى اساليب العصر في العمل السياسي التغييري بعد ان شرح رسالة ثورته التي تصل الدين بالحكم ، والشريعة بالسياسة ، والعلماء الواعين بأزمّة القيادة، بعد كفاح الممارسة الاستقطابية ، وطرح تاريخ الرسالة كله على انه تاريخ ثورة تغييرية نجحت في فصلها الاول من حركتها في الظهور المقتدر المهيمن ، ثم عادت الى الفوران الثوري المتصدي للانحراف ، والساعي الى قلب الاوضاع ، ووضع المسيرة على سواء الصراط .

لقد أعاد الصدر الثورة الحسينية بروح العصر واساليب الزمان ، على قاعدة ( لا ينتشر الهدى الامن حيث انتشر الضلال ) فلا تأتي الحكومة الاسلامية الامن حيث اتت حكومة الطاغوت ، وان للعصر احكامه، وللزمان ظروفه الموضوعية ، وللحياة الزامات تجددها ، واستحقاقات تطورها .

وجدد الصدر فورة الدم الكربلائي، والتصميم على الفداء ، والهب حماس الشهادة ، وحجّم مفهوم التقية الى ابعد حد بل حذفه عند غلو الباطل ، وانزواء الحق ، واعطى فكرة الانتظار لوناً جديداً من التفسير الذي يجعلها مفهوم حركة دائبة في منهج الوعي والتبصير واعداد الامة للفتح الاكبر من خلال فتوحات اسلامية ظافرة هنا وهناك ، حتى تتجلى الارضية المناسبة التي يجد فيها رائد الظهور الموعود شروطه الموضوعية المطلوبه للطلوع من افق الفرج المرتقب بالظفر الاعظم الذي تمتلىء به الارض بنور الله وعدله بعد ما ملئت بظلمات الجاهلية الجديدة وظلمها.

 الحصار

مما تنوح به ورقاء المظالم فتخلق بمشاعر الحزن اللاذع احساساً دفاقاً بالشجى في الصخر الاصم ـ ظلامة الحسين الوتر، ومافيها من تفاصيل المأساة الخالدة التي كتبت عنها الاسفار الكبرى بعد ما مشى بها ركبان الزمن ، وحدت مواكبها الأسيانة المتلفعة ثوب الشجن الاسفع، المنطلقة من بحر الغم وتيار الالم ، تطوف بها على عوالم الشموخ والكبرياء لينحنيا امامها بكل اجلال واكبار، ويبرز في فصول تلك الملحمة العظمى فصل الاسى للحصار في فلاة الوحدة ، والجعجعة الرهيبة الى مكان المساومة بين عز المنحر وذل الابد، وبين الخلود رمزاً للأباء والفخار او الارتهان بخزي اقرار العبيد، واسر العار والشنار . فقد منع عن الحسين كل مدد وعون ، وضرب حوله طوق العزلة ، وحاصره الحر الرياحي مانعاً اياه عن كل اختيارات الموقف ، مسلماً اياه لارادة الظالمين ورغبتهم.

وكان في افجع الوان تلك اللوعة بعد احتياشه محصوراً في كربلاء ، وترويع عياله ـ قصة القتل الذي سجل بالبشاعة مقاسة الى عظم الشخصية وقدسية هدفها نكسة الانسانية في مصداق النزق الذي تفرد في كربلاء بالغُلْب في مضمار الاستباق ، وتكون النتيجة من مقدماتها فصلاً من اقبح الفصول في تلك المأساة ، حيث يكون جسد السبط الحبيب لقى بين ايدي الوحوش الكاسرة تعبث فيه بمنتهى السبعية وضراوة العنف ، وتحمل رأسه ورؤوس اصحابه تدور القبائل والمناهل حتى تضعها بين يدي عتاتها ، تطلب سني الجائزة وشهي النوال.

ويدفن بضعة المصطفى وريحانته وحيداً بعيداً عن ايدي احبائه واوليائه ، والنظرة الاخيرة من آله ومريديه ، وعبراتهم التي يخففون بها منسكبة لوعتهم ، ويطفئون نار حسرتهم لو استطاعوا الى ذلك سبيلا وانى لهم ؟

لقد لقي الصدر في مأساته التي اجادت المواساة والمحاكاة ، من اقسى ما لقي الحسين مثيلاً ونظيراً ، لكي تعاد المشاهد الحنظلية في مذبح الفذ زين المجددين ، وتسترجع الايام والاجيال من حافظة التاريخ نسخة العلقم ليتجرع كأسها على مرأى العجب والانبهار ، قدوة الصابرين.

لقد حاصرته زمرة الغي حصار اسوته، وجعجعت به حتى صيرته حلس البيت سجيناً مع عياله المروعين ، ينتظر القرار الارعن ، ومنعت عنه كل المسارب الى انصاره ومحبيه ، وضيقت عليه بالخنق حتى عاد ومن معه من اهله بين اطواق الجدران تكبلهم اغلال الحبس والتعتيم ، وتمت كلمة التشابه صدقاً في التناظر ، وعدلاً في المجاراة ، حين تمثل في مقتل الصدر كما حكته الرواة ، وصدقه بعض دلائل المحسوس ، وقامت عليه شواهد السجية العدوانية الفريدة ، لدى جناة التاريخ في بغداد ـ صدى عمق الفاجعة الطفية التي شاء صمود الصدر وفداؤه ان يعطياها حقها من الفهم بالتذوق، وان يقدراها حق قدرها بالتجسيم الماثل .

فقد عذب الصدر عذاباً نكراً امعاناً في ايجاعه وايلامه ، بعد ان رفض الشروط المذلة ، وداس بقدم الاستخفاق والصبر مساومة الطاغين مفضلاً الموت بكل قسوته على ان يعطى بيده للظلم ، وان يقر له بلسانه ، وينيله بعض ما يشتهي من رائد الركب ، وقائد الفتح ، وماتح حياض الشهادة ، وعنوان الفداء .

واذا كان الحسين قد رأى ملامح العدوان الذي سيحيق باهل بيته وحرمه من بعده بالاسر والسبي والتوهين في بعض مظاهر التعرض لهم عند صراعه غير المتكافيء في ساحة المقاومة ، فقال للجناة (امنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي مادمت حيا) .

وابصر الحسين من ذلك ومما هو كامن وراء الحجب ما ينال عياله من الوان العدوان الذي لا تحكم عرامته اصول ، ولا تحد شراسته حدود ،(شاء الله ان يراهن سبايا) ـ فقد رأى الصدر مثل ذلك بالملامح والتوقعات قبل ان يبصره بالواقع المحسوس ، حين تعرض اخته امامه بعد اعتقالها للمساومة والتركيع والاذلال ، واذا كانت الجناية الاموية قد غفلت فاتاحت لزينب ان تؤدي دور الوراثة ـ لرسالة الثورة ، فان جناية العفالقة استفادت من الدرس الاموي فقطعت لسان زينب الصدر مع قتل اخيها ، ومنعتها من ان تجدد المهمة التي كانت تتمنى ان تعيد فيها للوجود مرة ثالثة عظمة الموقف المهيب للبوة البيت النبوي عقيلة بني هاشم بعد شهادة أخيها العظيم ، وتكرر موقفها هي (بنت الهدى) في تلك الصرخة الهادرة امام ازلام السلطة عندا اعتقال اخيها في رجب ، وامام الامة في صحن امير المؤمنين وحرمه الطاهر.

وأعاد التاريخ في فصول البغي المتكررة تكرر فصول المقاومة ، وعناد المضحين الاباة ـ مسألة الدفن ، حيث توارى الجثمان الطاهر لرمز الفداء ومفجر الثورة في ظروف واحوال اشبهت تلك التي احاطت بمواراة محتده واصله جسد الشموخ لسيد الشهداء . فقد دفن ذلك الجسم الشريف على ايدى جماعة مجهولة، وفي ذلك الخفاء والبعد عن الاضواء ، وكتمان التفاصيل ، ليبقى الهمس، والاحتمالات ، والاخبار، والاحاديث التي تدور في المحافل حول دقائق الدفن ومكانه والدافنين تتملك ساحة هذه القضية لتعمق لوعة المأساة ، وتزيد في نار الاسى والاشجان ، وتستدر العجب من المماثلة البارعة بين امس الغابر في القرن الهجري الاول واليوم الموصول الراهن في القرن الرابع عشر . واذا كان قبر ابيّ الضيم قد صار مهوى الافئدة ومنارتها لانه ضم المشعل المنير ، وظل مخيفاً خصومه الجائرين لانه احتوى مع الجسد الكريم رمز الثورة الذي يشع اشعاعه الذري من خلف اعتى الحجب والستور ـ فقد تعرض للعدوان المذعور بالرقابة والتخريب ، ومحاسبة الزائرين ، والنكال بهم حتى بقطع ايديهم ، وعلى سجيه ذلك القبر الشريف كان قبر الحفيد السعيد ولنفس الدواعي موضع حيطة الظالمين ممايهم بهم منه من روح الثورة التي لم تخمد فيه مع البدن الزكي ، لانها لا تموت ، فقد وضعوا العيون عليه رغم انهم غيبوه عن الناس ، حيث ان عشق القلوب الوالهة قد دل المتيمين على التراب الذي احتضن جثمان معشوقهم ، فزاروه في الخفاء الآمن من عين الرقيب ، وعبروا عن بعض الصدى لسخطهم العارم بشعاراتهم التي تركوها قرب الضريح ضد الجناة المارقين ، وزاد المجرمون في طمس معالم القبر، ومحو آثار القبور المجاورة امعاناً في التضييع والتمويه ... وبهذا تمت المشاكلة المقدرة بين السبط الشهيد، وولده الصدر حتى في هذه المفردة من مفردات الظلامة .

لقد اوشك ان يتماثل الأمدان ما بين الاحاطة العسكرية الشاملة بالحسين وقطع الماء عنه في السابع من المحرم والتي تحكي عملية الاعتقال لبدء المساومات، وكذلك الاعتقال للصدر لنفس الغرض ـ وبين الاجهاز عليهما وتركمها جسدين قد مثلت بهما الاحقاد الجاهلية ابشع تمثيل .

واذا كان الحصار الحقيقي للحسين قد ابتدأ بعد هلاك معاوية في الخامس عشر من شهر رجب حيث طولب بالبيعة ليزيد على رعود الوعيد والتهديد بالقتل ، فان زمن الحصار هذا يكاد يتقارب بشهوره مع زمن الحصار الذي تعرض له الصدر في السابع عشر من شهر رجب ممتداً الى ساعة عروجه الملكوتي ، وتتماثل في الحصارين معاملة المحصور مع محاصرية ، فالحسين اكرم الحر وجنوده المجعجعين ، وسقاهم الماء في حر الهاجرة ، واغاثهم ، وعاملهم باللطف ، وعامل خصومه في كربلاء بسلامة القلب ، والحرص على خيرهم ونجاتهم ، وكان الصدر كذلك مع محاصريه ، وقام بنفس ما قام به جده العظيم تماماً لتكتمل المشاكلة في كل سجايا الكرامة ....

 واذا كان الحسين (ع) قد ذاق في شبوة الحصار لوعة الحرمان من الماء الذي استغل الظالمون صده عنه وسيلة للضغط والتنكيل فان الصدر على شاكلة ابيه ذاق تلك اللوعة حين صرف عنه الماء اياماً طويلة عانى فيها ومن معه في المحنة من مرارة الحاجة الى ضرورة من ضرورات الحياة، ولولا ما حفظه (الخزان) الصغير في البيت ، فقضى به موارد الاحتياج القصوى كالشرب والوضوء ـ لكانت الفاجعة في هذا المورد من عذاب الحصار قد وصلت الى مدى الموت على الظمأ كما حلّ بالحسين الذي اضناه قطع الماء عن عياله وصغاره ولم يتبق لديهم الا النزر اليسير في القِرَب يقضون به حاجاتهم حتى نفد مؤذناً بخطب الظمأ الحازب .

واذا كانت غُبْرة الصراع الطفي قد انجلت عن الحسين الصريع الذي لم يترك من بعده الا ثقله من النساء والصبايا وقرة عينه الأبن الوحيد الذي انجاه الله في فورة النزال بمرضه على مشهور التاريخ ـ فان غبرة الصراع المتجدد بين الصدر الوارث لظلامة ابيه وبين جناة بغداد ورثة الظلم الاموي قد انجلت عن الصدر القتيل الذي ترك من خلفه حَشَمه وحرمه المروعين وفيهم ابنه الوحيد الذي نآى به عن بطش الظالمين صغر سنه وحداثته.

 محاولة الاغتيال

كان امراً قديماً متمادي العمر منذ كان الحكام المستبدون يجهدون في الخلاص من خصومهم ـ ان يتم اخراج المناوئين من ساحة الصراع التي يخشاهم فيها اعداؤهم خوفاً على عروشهم ـ بالقضاء عليهم غيلةً ليحجب ذلك حجباً ابدياً عمن خافوهم كل هاجس مرير ينغص عليهم راحة الملك ، ويكدر صفو السلطان ، وكان هذا الحل اقرب الى مشاكل اهل القدرة من اي حل سواه ، وكان الاتكال عليه اشد عند ما يكون منازعوهم رواد الرسالات الالهية ، وقادة الاديان وهم الرسل والانبياء وخلفاؤهم المهتدون ، فالخطر عليهم من الدين خطر استئصالي ، لان سياسته هي محو الطاغوت ، واقامة حكم الله ، وازالة الجبابرة ، ووضع الهداة المصلحين مكانهم ... وما اكثر ما نحّي الهداة والمصلحون، ومن تابعهم متابعة المسؤولية بعمق الوعي والجهاد ـ عن طريق الجناة المجرمين بتلك الوسيلة الناجعة الهادئة ، والتي لا تكلف السلطان غالياً ، وتجعله يستتر بها حجاباً مجدياً في اخفائه عن عين الرقيب ، ويحتمي بها درعاً واقية من سهام الاتهام ، وتفسح له المجال حتى ان يبهت اعداءه ولو من انصار اولئك الاخيار بانهم وراء ما حصل .

وفي الاسلام كِيْد الرسول بذلك الكيد ، وانجاه الله منه ، وان قيل انه قضى مغتالاً بالسم الذي دُس اليه في ذلك الزاد الذي طعمه في خيبر وتأخر تأثيره لقلة ما سرى منه اليه بعد ان القى تلك الذراع من فمه قبل ان يبتلع منها شيئا...وقد روي عنه (ص) انه قال في نزعه (مازلت اجد أكلة خيبر ، فهذا أوان قطعت ابهري) ولكن اهل بيت النبوة (أئمة الهدى) ، كابدوا من ذلك البلاء مرير المكابدة ، وقد تمت تصفيتهم به الا الحسين (ع) حيث كتب الله له ان يكون صانع ملحمة كربلاء بتلك الفاجعة التاريخية ، والقتل المروع بتلك الصورة الفريدة ، بعد ان اوشك ان يكون رميّة سهم الظلماء ، وصريع اليد الخفية ، وضحية الاغتيال ، عندما استهدفه الامويون بتلك الاحبولة وهو لا يزال في مكة ، لكنه ادرك المكيدة فتدارك الموقف ، وعجل الرحيل ، قاطعاً شوط الحج بالعمرة ، متلافياً ان يكون قتله في حرم الله اداة انتهاك لحرمته . وقد بين سلام الله عليه هذه القضية لاخية محمد بن الحنفية قائلاً :

«قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم  فاكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت »

وحينما سأله الفرزدق في الطريق «يابن رسول الله ما اعجلك عن الحج؟»

قال (عليه السلام) «لو لم اعجل لأُخذت»

و ذكر(عليه السلام) هذه القضية ايضاً لواحد من الذين التقاهم في الطريق الى كربلاء وهو ابو هرة قائلاً له :

(ويحك يا أبا هرة ان بني امية اخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ...)

وعلى سبيل المناظرة والمحاكاة الكبرى التي كادت ان تكون مستوعبة تعرض الصدر المتأسي الى خدعة الاغتيال في الشارع وفي بيته ، وابى الله بلطفه ذلك كما أباه للحسين ليكون القتل الصراح المباشر بجرم الثورة كرامتهما وفخرهما ، ولواء الاباة الثائرين على خطهما .

الغضب الالهي للظلامة

وعد الله رسله وانبياءه وعباده المقربين من دعاته وحملة أمانته ان ينصرهم بالحجة والبرهان ، ويظاهرهم في حومة الميدان ، وان يعلي كعبهم بالبينات والآيات ، ويظهر فلجهم بالنكال والنقمات ، وقد قدر الله غضبه لبعض اوليائه الموتورين يصب جامه من بعدهم على من نصبوا لهم العداء ، فأبسلوهم دون حياض غاياتهم، وحالوا بينهم وبين أداء أماناتهم ، ليعزهم منه بأوسمة الكرامة ، ويذيق خصومهم حر العذاب وفرط الندامة .

وعلى منهج التأييد الالهي لخلفاء الرسل واوليائهم المقربين على طول الخط - يتلألأ بالطلوع الشامخ وجه اللطف الالهي بسبط المصطفى سيد الشهداء ، حين كتب له غاية الفخار والسؤدد في الدنيا ليكون بهما هامة الجوزاء وجبين العلياء ، وقضى سبحانه له سخطه على قاتليه يسقيهم صابه انفاساً يتجرعونه ولا يسيغونه ، ويطعمهم ضريعه وزقومه فيملأون منه البطون يقطّع احشاءهم ، ويغتّهم في فورة الندم غتاً كأنهم منه في مذاب بركان ، ويشوي بجمره المهلي قلوبهم فكأنهم في مجمع النيران .... لقد انزل الله بهم عقوباته تترى فيما نعلم من صور اخذه الاليم الظاهرة للعيان ، والمشهودة للحس ، كالانتفاضات التي جعلت عرشهم مرمى الشهب اللاهبة ، وجائحة الثأر التي اتت على الجناة المباشرين ، والكراهية المقيتة التي نفذت في اعماق الامة لخط الجناية الاموي فتحول الى كتل رهيبة من المواد المتوفزة للانفجار ، فحرك فيها العباسيون صاعق الشعار المغري ( ظلامة أهل البيت) ، ودمدمت رعود الهول ، وانصبت حممه المهلكة ، ودارت عجلة التاريخ بحجم الهلاك المرير المحتوم ، تسحق رأس الافعى الاموية، وتقلع الشجرة الملعونة في القرآن ، تصيرها رميّة اللعنة المتصلة يظل نتنها الكريه يزكم الانوف ، ويقرف الارواح .... وللصدر كما لجده كتب الله على قاتليه ومبغضيه عذابه الأليم ، وسلط عليهم من الوان النقمة ما يحار العقل فيه لغرابته ، والحاحه ، وضراوته ، ما جعل المجرمين هباءة تتقاذفها الرياح العواتي للنكال ، وغريقاً تقطع انفاسه بين جبال الموج الهادر تلهو به لهو العابثين ...

وان يكن الحسين قد تنبأ في ساحة الوغى بمصير شانئيه وقاتليه بقوله (اني لارجو ان يكرمنى الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم) وقوله ، (لتقتلني الفئة الباغية ثم ليلبسنهم الله ذلاً شاملا وسيفاً قاطعاً ، وليسلطن الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا اذل من قوم سبأ).

ـ فان الصدر قد استلهم من فؤاده المبصر ، وروحه النافذة ، ومن سنن التاريخ والمثلات والعبر عن ما يصنعه الظالمون ومآل عرشهم الاثيم الذي جسم الظلم في اعلى مداه ، مجموعة فيه كل فصول الغي والبغي التي مرت لياليها الدكن واعاصيرها الربد على مسيرة الحياة ، ترهقها من امرها ما لا تحتمله من العسر ، وتكلفها باهضاً ثقيلاً ثمن السكوت او غلواء المنابذه، لكأنه (رض) قال لهم حقاً (والله لن تلبثوا بعد قتلي الا أذلة خائفين ، تهول اهوالكم ، وتتقلب احوالكم ، يسلط الله عليكم بايديكم من يجرعكم مرارة الذل والهوان ، ويسقيكم صاب الهزيمة والخسران ، يذيقكم مالم تحتسبوا من طعم العناء ، ويريكم مالم تتوجسوا من البلاء ، فلا يزال بكم على هذه الحال حتى يؤول بكم شر مآل ، جموعاً مثبورة صرعى في الروابي والفلوات ، وفلولاً مدحورةً تطلب السلامة والنجاة ، حتى اذا انفضّ عديدكم ، وفلّ حديدكم ، دمدم عليكم ، فدمّر عروشكم ، وترككم ايادي سبأ اشتاتاً، بين من أكلتهم بواتره ، ومن هاموا على وجوههم في الاقطار، وولوا مذعورين الى شتى الامصار ، واورث الله المستضعفين ارضكم ودياركم واموالكم ، فاذا قد امسيتم لعنة تتجدد على أفواه الناس ، وصفحة سوداء في احشاء التاريخ ). ([1])

لقد سلط الله على طغاة بغداد عذاباً مستمراً مذ حرموا عين الحياة من كحل طلعتها البهية يشفيها من داء العشوة ، ويزينها باشراقة الحسن الفاتنة ، فلم يهدأ لهم بال بعد قتلهم رائد الامة وهاديها ، فقد دهمتهم الكروب من كل صوب تبرحهم، وطلعت عليهم الخطوب كأنها روؤس الشياطين تروعهم ، وباتوا على شفا جرف هار من النهاية التي يكابدون فزعها في وصوب ملحّ مفرط في الايلام ، فلا هم يذوقونها فينتهون، ولاهي تخفف عنهم فيهدأون . وكانت حربهم الحمقاء على ايران هاجسهم المرير الذي فارقهم معه طائر الكرى فلم يحم فوقهم الا لماماً على فزع رهيب يتغشاهم بالهول المارد.

ثم ولسجية الالحاح في فورة الغضب الالهي عليهم ساقهم الجنون فسلط الله به عليهم حربهم على الكويت ، ليطلع عليهم منها وجه عرامات لا قبل لهم بها ، وكربات لم يذوقوا طعمها ، فغرقوا منها في الخضم المزبد للعناء المستشيط الثائر ، ولبسوا فيها ثوب الذل منسوجاً من قطران الخزي الفوار في منتهى سعاره ، وابعد اطواره ، يتقلبون فيها بين جمر العار في غاية شبوته ، وفرط لسعته .... وهاهم لازالوا تسمهم عقبى جنايتهم بميسم الصغار الذي امتنع عن المثيل ، وتعبث ايدي امثالهم بعوراتهم على مرأى الدنيا حيث عرّتهم من الشرف المزعوم ، وسلبتهم الكرامة المدعاة ، فهم اذل في عين الناس من رعديد ضارع مسترحم بين يدي آسره الساخر الطافح الخيلاء والعنفوان ، واقذر من جيفة منتنة تفسخت وعادت مباءة الديدان .

لقد سلط الله عليهم اشنع الوان الهوان ، واقبح صور الزراية والاستهزاء ، وباتوا مضرب المثل في الذل ، ومرمى ابصار الساخرين ، ومطمح طرائفهم وحكاياتهم . ولا يكتفي قانون العقاب الالهي بمن حاربوه وناوؤه ، بل هو يمتد شمولياً ليعم حتى اولئك الذين سكتوا على الجناية ، ولم ينبسوا ببنت  شفة وهم ينظرون ، والذين قصروا في حقه من عارفيه، وهؤلاء واولئك اربع طوائف : طائفة كانت تدين حركته بادعاء بعد الدين عن السياسة، تتحجج بروايات راية الضلال التي تقوم قبل الظهور ، واخبار التقية . ولم تأله هذه الفئة جهدها في الذم والتسفيه الخفي والظاهر . وطائفة ثانية كانت ترى فيه منافسها الصاعد على المرجعية، والذي يهم ان يكتسح ساحة التقليد . وهاتان الطائفتان سكتتا على الظلم الفادح الذي ناء باثقاله الشهيد المظلوم ، والحصار الخانق الذي كابده هو وعياله على مرآهما ومسمعهما ، ولسان حاله ينادي ( هل من مغيث) فلا احد يجيب . ولعلهما كانتا تتربصان ساعة الخلاص منه على ايدي جلاديه .

وطائفة ثالثة كانت تُحسب عليه ، لكنها خالفته الى مالا يشتهي حين اراد منها مالا تحب ، فأعرضت عنه اعراضاً خفياً ، وناوءته مناوءة باطنة ، بل ظاهرة في بعض الحالات .... وفي افراد هذه الطائفة من بنوا امجادهم به بعد شهادته ، ثم اخذوا يتهاونون في ذكره ، ولولا بقية من الحياء لتخلوا عنه تماماً ، وجعلوه نسياً منسيا.

فأما الطائفتان الاوليان فقد نالهما مما حاذرا من سوط السلطان وبطشه بدواع لاتؤجران عليها ولا تحمدان، وأتاهما قاعدتين ذميمتين ما اتى الصدر في شرف جهاده، وعز بسالته ونهضته ، من حرالسيف ، واغلال السجن ، ولوعة الترويع .

واما الطائفة الثالثة فقد عوقبت بعقوبات شتى: منها ان الذين خالفوا الصدر فيها عناداً فيما يرجو اهينوا بما عاندوه من اجله ، فباتوا نادمين على مافرط منهم في حق رضاه ، مدركين فى اعماقهم انهم قد اخطأوا معه فنالوا غِبّ ما فعلوا نكالاً من الله ، يؤملون ان يكون كفارة جرمهم ، يُغسلون بها في الدنيا لينقلبوا الى الله وقد محيت من كتابهم صفحة ذلك الاثم .... وقد رأينا بام اعيننا كيف ان الذين تجاهلوا الصدر بالنسيان للبدائل والأنا قد أُخذوا بحب الدنيا ، وابواب كل شي، والوهم الخادع ، والامر الفُرُط ، والمنغصات التي تأخذ بمجامع القلب ، والمشاغل السخيفة التي تغري بالحطام ، وتلهي عن الاخرة ، وتكون مباءة الاثام والاوزار.

اما الساحة في الداخل بأسرها وهي الطائفة الرابعة فقد عوقبت لصمتها على ظلامة الصدر بما لم يصب الذين ظلموا خاصة ، بسني يوسف ، والذل الشامل ، والسيف المستوعب ، وصروف الموت ، وزعازع الرعب الواصب ، والهوان الذي ليس له مثيل. فلا تكاد تغادرها مذ ذبح الصدر بين ظهرانيها ـ كارثة موبقة الا جاءتها غيرها اشد منها .

وقد ذاقت في حرب مجرميها ضد ايران ، وفي غزوهم الكويت، وما تلا ذلك ـ ما لا عين رأت من الوبال ، ولا اذن سمعت من النكال ، ولبست للذلة لباساً لم تلبس امة قبلها مثله ، وغرقت في بحر خطوب هادر باتت فيه سفينة مهشمة تتقاذفها الامواج العاتية .

 تبرئة السلطة

حين يرتكب الظالمون جرائمهم المنكرة ضد المقدسين الثائرين ، فينالون اغلى مناهم بما ظنوه الراحة من شر الخطر الداهم ، قد يسعون جاهدين في حملة اعلامية مضللة الى ارتكاب جرائم اخرى يريدون بها ان يغطوا على ما كان منهم ، وكلا النوعين المادي والاعلامي من العدوان الفادح يجريان على النهج المرسوم لهما ، وهو ضرب الخط الالهي بطعن قادته وانصاره، والأجهاز عليهم . وتحميلهم شر ما جرى لهذا الخط من الخطب الكبير ، وبالتالي تشويه قدسية المنهج ونزاهته .

وبحكم المشابهة بين الثورتين الحسينية وحفيدتها الصدرية كان تعرضهما لذلك الكيد بعد الاقدام على الجناية الكبرى عليهما بقتل القائدين ـ هو من اهم معالم المماثلة وصور التناظر المؤشرة على سلامة النسب في اللاحقة ، وطهارة المحتد ، وعصمة التأسي ، وصدق الاحتذاء.

(عصفوران بحجر واحد ) هذا هو اقبح الوان المؤامرة الكبرى على نهج الحق وانصاره، يقتلون الحسين القائد شرقتلة بعد ان يتهموه بالخروج على القانون والشريعة وبطلب الدنيا ـ وينسبون الجرم الى مريديه زاعمين انهم خانوه وخذلوه ، واسلموه الى المقصلة بعد ان وعدوه ومنوه ، واعطوه البيعة ، فهم يتحملون مسؤولية ما جرى له ، وكأن الظالم لم يكن مصمماً على الخلاص منه بأية حال ؟ اوانه لو لم يخنه بعض من بايعوه او كلهم لكانت السلطة تعطيه مفاتيح القدرة راغمة مستسلمة ؟ وكأن النظام الغاشم لم يبادر الى الاجهاز على حركة انصاره بالقتل والاعتقال لرموزها ، وتخريبها من الداخل ، وتفتيتها ، وحرفها عن مسارها ، وتطويقها حتى لا يمتد شيء منها بالدعم لركب القائد الزاحف باتجاه الهدف ... هكذا فعل الاعلام الظالم من خلال ازلامه وأبواقه ووعاظه ، واشتد الصائد بأحبولته في طلب المراد حتى بلغه، فصار قتل الحسين يعني حتى لدى الكثيرين من المغفلين من محبيه ـ خيانة اهل الكوفة ، وان ذبحه كان بسيوفهم، وان تخلي اولئك عنه هو السبب الحقيقي للجناية العظمى .، واذا كان هذا الكيد يستغفل الموالين ، ويصيب غِرّتهم فهو في القطاعات الاخرى الواسعة المحسوبة للسلطة ـ اكثر قدرة على نيل المطلوب ، لتبقى الموالاة المخدوعة ، ويبقى الاسناد المغرر به ، وتوصد المنافذ في وجه اي وعي بالحقيقة قد يؤدي الى تغيير الموقف من السلطة كما حصل من ذلك الشيخ الشامي الذي تبصّر الواقع من هدى زين العابدين (ع).

القدرة الغاوية الكائدة التي سلكت ذلك الطريق في ضرب الثورة الحسينية ، تأست بها لانها سلالتها ـ قدرة العفالقة في بغداد، فهي بعد ان وأدت ثورة الصدر، وجددت في موقفها منها ومن قائدها مأساة كربلاء ـ سلطت جهدها الاعلامي بفنون الخديعة ، فاوعزت الى بعض جناتها ـ فاضل البراك ـ ان يلتقي بالصدر ليبين له ان حساده في وسطه واهله يكيدون له ، وان الحوزة تسعى به بوشايتها وتقاريرها لدى السلطة، ولانه (البراك) ناصح امين فهو يتباكى من اجل احتمال ان يفوته شيء من تلك الوشايات الى من فوقه مباشرة قبل علمه ، حيث لا يستطيع ان يغطي او يتلافى او يتخذ الموقف الوجداني الشريف منها !!!

اي كيد هذا الذي يسعى الى الايحاء الى نفس القائد بان الشر لا يأتيه من السلطة بل من حساده وشانئيه في الحوزة ؟

ترى كم سعى هذا الكيد وباي لون من خدائعه ان يوحي بذلك الى ابناء الامة والى مريدي القائد وانصاره ومحبيه ؟

وكم من الذين استغفلوا بهذه المكيدة حتى من كوادرنا ، فسخروا السنتهم واقلامهم للتركيز على دور البيت في تصفية سيد رموزه وابنائه ؟! وكأنهم بذلك قد وقعوا على السر الاعظم الذي استعصى واعيى في زمرة المستغلقات التي تأبى ان تفتح ، متجاهلين ان مكيدة النظام احتبلت اذهانهم ، وجعلتهم يركزون على ادانة انفسهم ووضعهم الداخلي قبل ادانة حكم جاء بالسيف وعاش به ، ولم يأمن بوائقه حتى انصاره ومن قام على اكتافهم ، وكان شعاره البقاء بأي ثمن ، وقمع الدين واهله بكل عنفوان الكفر والجحود .

ترى هل امن الذين قيل انهم كتبوا ضد الشهيد في الحوزة شر الظالمين جزاء وفاقاً على مافعلوا؟، وهل هذا الادليل قاطع على ان النظام ضد الجميع ، الصدر وخصومه في الحوزة مادام هو ضد الدين ولوازمه ، وضد اي موضع يتوقع منه الخطر حتى لو كان من وضعه الذاتي؟ ترى لو لم يحسد الصدرَ حاسدوه ـ وهم ظالمون ومؤاخذون طبعاً ـ هل يكف عنه النظام مادام هو مجاهداً ثائراً يريد عودة الاسلام وتحكيمه ؟

الم يكن واقع حركة الشهيد ، وعين السلطة المؤرقة بجهوده ، وهاجسها البركاني من خطره وراء قتله والخلاص منه ؟.

الم تكن للسلطة عيونها عليه ان كانت تحتاج الى ذلك مادام نشاطه على مرآها ومسمعها ، وخطاه على طريق الثورة مكشوفة جاهرة ليس عليها حجاب ؟.

هل تحتاج دروسه وافكاره ونداءاته ، وحفاوته بامته المبايعة ، ومواقفه ضد الجناة ، ومناوءته لهم في تحريم تنظيمهم ومؤازرتهم ، وادانة افعالهم و مواقفهم من الدين وشعائره ، وحربهم على المؤمنين والمجاهدين ، وهل يحتاج كذلك اسناده الفريد للثورة الاسلامية في ايران ، وولاء قائدها العظيم ، وجهده الحافد الحثيث لتفجير الثورة في العراق على خطى اختها في ايران ليغنم الاسلام بهما شعبين متآزرين ، وبلدين متجاورين بينهما أواصر جمة من المشتركات والسوابق والمصالح ، هل يحتاج ذلك كله الى تقارير من الحوزة، ووشايات منها لتتحرك السلطة بسببها ضده ؟

الم يكن هذا وغيره الكثير مما لا تتسع له هذه السطور كافياً لجعل الملاحدة المجرمين يصممون وقد اخذ عليهم الذعر اقطار راحتهم واستقرارهم ـ على حذف الصدر من الوجود، لتخلو صدورهم من البلابل والهواجس المزعجات ؟.

صحيح ان اوساطاً في الحوزة قصرت في حق الصدر بل حسدته ، وفرطت في جنبه، وما مدت يدها لاسناده ، وربما تكون مالأت بصمتها على مقدمات الجريمة ، وسوف يؤاخذها الله بما فعلت ، ولكن ذلك كله لا يشكل علة الجرم الذي اقدمت عليه السلطة ، ولاجزءً من العلة ، ولا أرضية ما حدث ، ولا الممهد له ، لان مواقف الصدر ضد النظام ، واقدامه على الثورة ، وتصميمه على تغيير الاوضاع هي العلة التامة لذلك ، وهو ما ذكرته تلك العصابة المجرمة سبباً للمنكر الفظيع الذي اقدمت عليه .

ولو لم يكن الصدر ثائراً يتحدى ، ويصمم على قلع الكفر من ارض العراق بالثورة والجهاد والشهادة ، ثم اساءت اليه الحوزة او حسدته وظلمته فان ذلك لا يغري به السلطة ، ولا يحركها ضده مادام لا يهدد مصالحها باي خطر ، وقد رأينا وقرأنا وسمعنا عن حالات تحاسد في الحوزة منذ القديم ، ولكن ذلك لم يكن يؤدي الى استغلاله من قبل القدرة الحاكمة لقتل المحسود مالم يكن له دور في ارعاب تلك القدرة بفكرة القيام ضدها ، وبواقعه المشهود بالممارسة ..

انها مكيدة كبرى من دهر الدهور، منذ ابتدأ صراع الحق والباطل ، أن يقتل المجرمون رموز الحق ، ثم يرموا سواهم بالجرم لاسيما الوسط الذي تحسب عليه تلك الرموز... وقد وفرت هذه المكيدة على الظالمين الكثير من الجهود والعناء للتغطية على ما فعلوا ، وقتل آثاره في مهدها ، بل في رحمها قبل ان تولد.

ان نسبة الجريمة الشنعاء الى الحوزة امر خطير ذو عدة ابعاد : تهوين فعلة النظام وتبرئة ساحته ، تدمير شخصية الحوزة وقدسيتها ، تقليل حجم الثورة والثائر ، ورميهما في وادي الحسد بين العلماء والغيظ الشخصي ، كما رمي دم الامام الحسين (ع) في وادي خيانة اصحابه وشيعته ليصير قتيل محبيه لا عدوه ، وكما رمى دم الامام علي عليه السلام من قبل ذلك في مجهول امرأة موتورة اسمها قطام قامت بقتله بواسطة من اشترته بمالها، واسرته بجمالها ، ليكون بطل التاريخ الذي تآمر جميع الباطل للخلاص منه قتيل امرأة حانقة .

[1]- كتاب الشهيد الصدر فضائله وشمائله