في هذا الزمان الذي انقلبت فيه المثل والقيم نری ونسمع من بعض الجهلة ان (الدين افيون الشعوب) ، وان المتدينين رجعيون، ولذلك فهم يبتعدون عن المتدينين، ولا يرضون لانفسهم ان يقال عنهم متدينين لان المتدين حسب نظرتهم السطحية الساذجة رجعي؟.

في هذا الباب سيکون جوابنا علی هذا السؤال:      

الف غاندي کتابا في الالهيات قال فيه : ( انك لتسمل عيني فلا تميتني، وانك لتجدع انفي فلا تميتني، ولکنك اذا انتزعت مني الايمان بالله قتلتني من فورك).

غاندي لم يتجاوز الحقيقة في هذا القول، لان الحياة بغير الايمان بالله تسير في طريق الدمار والهلاك، اما الايمان بالله فانه يوجه الانسان الی واقع الحياة، الی النجاة في الدنيا والاخرة .

ومن اظهر علامات المؤمن بالله واليوم الاخر ان يثق بالانسان، وحياة الانسان خدمة الانسان، ان لا يحس ان بينه وبين احد من الناس فاصلا من الجنس واللغة، ولا من الغنى والفقر، ولا من النسب والجاه، وان يتجرد من کل مطمع الا من رضا الله سبحانه، ان يضحي بالوظيفة والرياسة وبالجاه والمال ، بکل ما في الحياة، بل يضحي بالحياة نفسها في هذه السبيل، وان يجعل ايمانه قواما لصيامه وصلواته، وان تمتلئ نفسه تقديسا ومهابة للحق والواجب، واحتراما لغايات الجماعة، ويقينا بوجوب العمل لخير البشر وسعادتهم.

هذا هو المؤمن الذي قال المستخفون بالفضيلة وتعاليم الدين: انه رجعي التفکير، رجعي بزعمهم لانه يعبد الله وحده ، ولا يستعين باحد سواه، ويخاف يوم الفصل والحساب.

رجعي لانه يحترم الناس، ويحافظ علی حقوقهم، ويتجنب المحرمات، ويتمسك بالتقاليد الاخلاقية والمثل السامية .

 

 رجعي لانه يعتقد ان الانسان مجزی باعماله، ان خيرا خيرا، وان شرا فشر.

 

رجعي لانه لا يعاقر الخمرة، ولا يلعب القمار، ولا يتعدی علی الاعراض، لقد ظن هؤلاء ان الدين تمائم وتعاويذ وبخور فتحذلقوا وتقولّوا من غير علم ولا هدی، ولو ادرکوا الدين ادراکا کاملا لعلموا انه يسير مع الحياة جنبا الی جنب ، ويتدخل بکل شأن من شؤونها، فهو اذ يأمر أقطاب المال والاعمال ان لا يرکزوا اهتماماتهم علی الطمع والجشع، بامر العامل والفلاح ان يعملا بنشاط واخلاص کما يأمر التاجر ان لا يحتکر ويغش، ويأمر المعلم ان لا يضلل تلاميذه ، ورب الاسرة ان يقوم بواجبها علی أکمل وجه، والقاضي ان لا يجور بأحکامه، والأديب ان لا يداري ويماري ، ويأمر الحکام ان لا يتصرفوا بمعزل عن المحکومين، ولا يتحکموا بشؤونهم علی کره منهم، ان الدين لا يفاضل ابدا بين الافراد، انما يفاضل بين المبادئ، فيفضل العمل علی الکسل، والسلم علی الحرب، والرخاء علی الغلاء، والعلم علی الجهل، والجماعة علی الفرد، والعفة علی الفجور، والاستقامة علی الخيانة.

 

وبعد: هل بقي مجال للقول بان المتدين رجعي، وان الدين منفصل عن الحياة؟، ولو کان منفصلا عنها لما خلد التاريخ الانبياء والرسل، ولما کانت تعاليمهم نورا تهتدي به الاجيال، لقد اتخذت الامم تعاليم الانبياء اساسا لتنظيم حياتها، واداة فعالة تنقلها من ظلمة الجهل والغريزة العمياء الی نور العلم والعقل، ومن الانحطاط الی الرقي، ومن الانانية الی الانسانية، وقد رأينا المسلمين يوم کانت الشريعة الاسلامية دستورهم الوحيد، ثم رأينا اين هم اليوم حيث لا يعرفون عنها سوی الاسم .

 

ان غاية الدين هي الرضوان والحياة الطيبة، فکل ما فيه قوة للحياة فهو من الدين في الصميم، والاعتداء  علی الحياة ومقوماتها اعتداء علی الدين نفسه .

 

ان الاسلام يحترم الحياة في الحيوان کما يحترمها في الانسان، قال الامام علي عليه السلام: ( والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاکها علی ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت.)  لقد اتخذ الامام من النملة وهي اضعف مخلوق مثالا علی الدين، يوجب تقويم الضعيف وتقويته، ويحرم استغلاله واستثماره، وبالتالي فإنا لا نعرف شيئا مستقلا عن الحياة يقال له حق او واجب او دين، بل لا نعرف شيئا يجب الايمان به وهو لغز مبهم وسر مجهول لا يتصل بادراك الانسان ولا بعمله من قريب او بعيد، وما شرع الله الاديان وانزل الکتب وارسل الرسل الا ليعمل الانسان لدنياه کأنه يعيش ابدا، ولاخرته کأنه يموت غدا .

 

واي عمل من اعمال الدنيا اذا لم يقترن بفکرة الموت والخوف من الله سبحانه فانه يؤدي الی الطغيان واللامبالاة، فالثورات ضد الظلم والاستغلال والنهضات بشتی انواعها تنتج عکس المطلوب اذا لم تقترن بالايمان والخوف من المنتقم الجبار، وما الصلاة والصيام الا للاحتفاظ بهذا الوازع، والخوف من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.)

نوشتن دیدگاه


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

منارة التابعين سعيد بن جُبير بن هاشم الاسدي الوالبي الكوفي نزل مكة تابعي، وكان...
التقية في تفسير الفخر الرازيمحمّد علي نصيف جاسم  الاسديالمحتوياتالمقدمة 1منهجنا...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون...
القصة بين القران و الكتاب المقدس     الخلاصة وقع تشابه بين قصص القران...
التغيير الاجتماعي رؤية وتطبيقها التجلّيات القرآنيّة في حركة الإمام الحسين (عليه...
أوجه الشبه بين الثورتين، ثورة الامام الحسين (ع) وثورة الشهيد الصدر...
  چشم انداز تغییرات اجتماعی و تطبيق آنها اصطلاحات و تجليات قرآنی در نهضت امام حسین...
  المقدمة تمرّ الأمة الإسلامية بمرحلة صعبة حيث يسعى خصوم الإسلام إلى إيجاد فتنة...
  الملخص الصابئة من الأديان الشرق اوسطية القديمة، والحيّة التي يعتقد أصحابها...
  المقدمة حينما نبحث في أمر عقدي ما، ولكي نتوصل لنتائج علمية أقرب ما تكون إلى...